اخبار لبنان

جريدة اللواء

ثقافة وفن

هل ندم إبليس حقًّا؟

هل ندم إبليس حقًّا؟

klyoum.com

عمران القيسي*

للروائي الثري «رشيد الضعيف» شطحاته أيضاً. وذلك حين ينفرد مع ذاته ويبدأ عملية الاستجواب الباطني للذات.

إنه (كافكاوي) بامتياز. ذلك أنّ الموضوع عنده سرعان ما يتحوّل من إشكاليّة موضوعيّة إلى هاجس ذاتي. وها وهو الآن يلج موضوعاً بالغ التعقيد لأنّه يتعلّق بثلاثة أمور دفعة واحدة.

الأمر الأوّل - له كامل العلاقة بالوضع البشري منذ أن دبّت البشريّة على سطح البسيطة حاملةً ثانويّة الخطأ والصواب - أو الخير والشرّ.

الأمر الثاني - يتعلق بإشكاليّة إبليس ذاته، أي ذلك الملاك الشيطان. فمن هو هذا الذي يقول البعض أنّه عصى أمر ربّه ولم يسجد لآدم الذي خلقه لله من الطين!! فيما يرى البعض أنّه وليّ من أولياء لله، وأنه لم يعصَ ربّه، بل أطاع الرغبة الباطنيّة للخالق.

لأن لله بقدرته الكلّيّة – وهو صاحب (الكنْ فيكون). يأمر فيطاع. وأنه حين يريد أن لا يطيعه أحد من الملائكة فإنه هو الذي أراد.

الأمر الثالث - يتعلّق بأنسنة إبليس. فهو عند رشيد الضعيف اسمه (رماعيل) المولود إنسيابيًّا من امرأة بلا ألم أو عذاب. إنه قد ولد حاملاً أسئلةً لا حدود لها، وهي تتعلّق بالمصائر.

من هنا ندرك الأهمّيّة الستثنائيّة لهذا العمل الذي لا أسمّيه روايةً ولا بحثاً بل أستطيع أن أطلق عليه تسمية (كشف). أجل كشف لموضوع طالما تجاهلناه، وحاولنا أن نتخطّى إشكاليّة اكتشافه.

حتى حين تحبل أمّه بعد سقوط سنن (رماعيل) سوف نكتشف بأنّ وراء الحمل إبليس الذي أطعم أمّه سنّه الساقط. ألم تقل له أمّه أنّ الحمل يبدأ من بذرة صغيرة؟! ها هي البذرة تولد فتاة هي أخت إبليس.

الخطيئة تتوالد والشرّ ينمو كما تنمو الأجنّة في الأرحام.

لكنّ الإصرار على أن تكون الإبنة الخطيئة «ليلى» هو الذي كرّس أبوّة (إبليس) رماعيل صاحب السن الساقط للمولودة.

كان رماعيل يشغل بال والدته لأنّه ومنذ ولادته يبدو محاطاً بالأسرار. لكن في البيت كان هناك من يراقب. كان جنياً أرسلته قبيلته ليتابع حياة رماعيل. ولم يجد هذا الجني مكاناً يختبئ فيه غير رأس (ليلى) الطفلة. راح يوسوس في الرأس. كل ذلك في انتظار لحظة الخطف التي يحمل فيها الطفلة الصبيّة إلى قومه.

لكن الخطة الشيطانية تعرّضت للعطب، حيث هرب رماعيل من البيت وحل الجني (الرئيّ) محله متلبّساً شكله. لقد صار الشيطان سيّد البيت. المسيطر الوحيد والقادر على كل شيء.

سيبدو ندم إبليس في بدايته عندما يتخذ رماعيل مكاناً قصيًّا يلجأ إليه. ثم يتعرف برجل من الأقاشي وهو من الجن أيضَا. حيث يخبره بأن ما يسعى إليه أهل الجن هو أن تأنس بالإنس. وأن أشرار الجن هم الجناح الفاسق لأنهم خانوا عهدهم لآدم. لذلك نصحه بأن يعود إلى أهله.

بعد الندم يعود رماعيل إلى أهله. حيث يجد الجني الآخر قد احتل مكانه. هنا الصراع بين إثنين سوف ينشب. وهنا تتبلور ثنائيّة الخير والشرّ.

نحن لا نتحدّث عن النهايات بل عن البدايات دائماً، فالإنسان هو ذلك الحامل لثنائية الخطأ والصواب، إنهما الضدان يحكمان كلّ شيء، ابتداء من الأبيض والأسود، الليل والنهار، الحار والبارد، الحياة والموت، الحلو والمر والوجود والعدم.

ضدّان لما اجتمعا حسنا

والضد يظهر حسنه الضد

لكن ندم إبليس هو ندم آدمي في نهاية المطاف، ورشيد الضعيف في عمله هذا كشف كشفاً جديداً، ما كان ليكشفه أي روائي آخر، إلّا إذا كان من سلالة (كافكا) أو من الذين يقفون على شواطئ (جيمس جويس).

* فنان وناقد

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة