اخبار لبنان

جنوبية

سياسة

«فكرة الله».. حين تصبح الحقيقة مؤجَّلة لحساب السلطة        

«فكرة الله».. حين تصبح الحقيقة مؤجَّلة لحساب السلطة        

klyoum.com

ما بين الإيمان الشعبي والتأويل السلطوي، ضاعت "فكرة الله".

في كتابه الجديد، لا يكتب الدكتور وجيه قانصوه، ولا يبحث عن أدلة إثبات وجود الله تعالى. بل في هذا الكتاب يُسائل المسارات التي جعلت من هذا المفهوم طيِّعاً في يد المذاهب، والمدارس، والفِرَق، والأحزاب، والزعامات الدينية..

"فكرة الله" كما طرحها، ليست يقيناً جامداً بل سؤالاً مفتوحاً على الجرح والتاريخ والعقل والوعي.

منذ أن تحوَّلت العقيدة إلى مؤسسة، بات "الله تعالى" مشروعاً قابلاً للبيع والتأجير، لا بوصفه تعالى الخالق المطلق المُتعال، بل بوصفه الاسم الأعلى في عناوين الصراع المذهبي.. وهنا، يكمن رعب وخطر الطرح، فالله سبحانه وتعالى الذي يُفترض أن يكون خارج الإنتماء، جرى تصنيفه كأنه منتج سياسي..

منذ القديم كان المفكرون والفلاسفة والكهنة ورجال الدين والأحبار والرِّبِّيون والقسِّسيُّون والرهبان، يناقشون أسئلة العرفان والتصوف والتوحيد.. أما اليوم، فقد أصبحنا نناقش صورة وصور الله تعالى كما تريدها السلطة ويراها الزعيم ـ الديني والسياسي ـ أو كما يختارها مُفسِّر النصوص. وحينما تصبح صورة الله تُنتج بحسب هوى الحاكم أو المذهب، وبهذا نكون قد قتلنا الفكرة ذاتها، وركَّزنا فقط على التحايل في بيعها.

كتاب "فكرة الله" لا يساوي بين الله والأيديولوجيا، بل يناقش التفرقة بين الفكرة الإلهية كما هي في الحقيقة وبين محاولات التأطير السياسي التي تحرفنا عن هذه الحقيقة.

من هنا، يعرف القارئ الجاد أنَّ هذا الكتاب لا يُقرأ مروراً سريعاً، بل يُسائل قارئه كما يُسائل موضوعه. ولأنني لا أقرأ الدكتور قانصوه بصفته صديقاً فقط، بل باعتباره مفكراً يقظاً، فإنني أعلم أن نصوصه لا تهدأ ولا تهادن. فهو لا يكتب ليعزِّز إيماناً على حساب عقل، ولا ليقلب الطاولة على الدين، بل ليُخلِّص فكرة الله من الغبار الذي ألصقته بها مئات السنين من الأحكام والفتاوى والسلطات.

"فكرة الله" ليست إلحاداً ولا إيماناً تقليدياً ـ لأنَّ الإلحاد ليس فكراً أو فكرة، بل هو موقف، وهذا ينمو عند عجز الطرف الآخر ـ ولا هي دعوة للانقلاب على الآلهة. بل هي محاولة جادة لاستعادة الله تعالى من فم المؤسسات ومن بطون الفقهاء، لاستعادة الله تعالى في صورته التي من المفترض أن تكون صافية نقية من كل التحريف والتلاعب.

هذه الفكرة لا تقتصر لإعادة النظر في المعتقدات، بل هي دعوة للتمرد على الأفكار الجاهزة التي تكبلنا بها فقهاء السياسة.

أخيراً، إنه كتاب يُعيد التفكير في الإيمان ذاته، ويُعلمنا أن الله سبحانه وتعالى ليس فكرة قابلة للتنميط أو للتسييس، بل هو الحقيقة المطلقة التي لا تملأها الحدود، ومن لا يجرؤ على مسائلة الفكرة، فليتأكد أنه عبدٌ لا مؤمن بالله سبحانه وتعالى..

*المصدر: جنوبية | janoubia.com
اخبار لبنان على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com