اخبار لبنان

جريدة اللواء

ثقافة وفن

جوهر الفن عبر الحضارات وتأثيره العميق على الإنسان

جوهر الفن عبر الحضارات وتأثيره العميق على الإنسان

klyoum.com

ضحى عبدالرؤوف المل

الفن، منذ فجر التاريخ، لم يكن مجرد تجميل أو ترف بصري، بل كان لغة روحية وجسدية تواصَل الإنسان بها مع ذاته، مع الآخر، ومع الكون بأسره. هو الأثر الذي يتركه الإنسان ليُعبّر عن مشاعره، أفكاره، حتى عن غموض وجوده، بل عن سر الحياة والموت. فالفن كظاهرة إنسانية متجذرة، فكل حضارة تركت لنا لوحات، منحوتات، قصائد، ورقصات، وطقوساً فنية، تحمل رسائل مخفية، رموزاً تلمح إلى ما هو أبعد من الملموس، تعكس سؤال الإنسان الأزلي عن نفسه، عن الآخر، عن العالم، وعن الألوهية. فهل الفن في كل شيء، عبر كل الحضارات؟ وهل هو رسالة مخفية تحمل عمقاً فلسفياً وأدبياً؟ وكيف يظل مفتاحاً لفهم النفس البشرية والكون؟

الفن هو التعبير المادي عن حالة داخلية غير مرئية. هو محاولة الإنسان للتواصل مع ما هو غير مرئي، وقراءة ما خلف الواقع اليومي. فالفنان يحوّل المشاعر والتجارب إلى رموز ولغة بصرية أو صوتية أو حركية. واللوحات التي رسمها الإنسان البدائي في كهوف ألتايمير، والتماثيل الفرعونية، والمندلات الهندية، واللوحات اليونانية، كلها رسائل ترميزية، وتدفقات تعبيرية تحمل معرفة روحية أو فلسفية أو اجتماعية. يقول الفيلسوف هيجل إن الفن هو «تجسيد الروح في الشكل الحسي»، بمعنى أن الفن هو مكان التقاء الروح الميتافيزيقية مع المادة، حيث يتجسّد اللامرئي في مرئي. فهل الرموز تعبيرية تتجاوز الكلمات؟

المعابد والنقوش الهيروغليفية لم تكن مجرد زخرفة بل شيفرات روحية، تسرد قصة العلاقة بين الإنسان والإله، وتحكي عن حياة ما بعد الموت، وتحقيق الخلود. مثلاً، لوحة «الوزن القلب» في كتاب الموتى المصري تمثل محاكمة الروح، حيث يقف القلب على كف الميزان مقابل ريشة الحقيقة، رسالة عميقة عن العدالة الإلهية، والضمير الأخلاقي. كما أن التماثيل المثالية، والنحت الدرامي، والدراما المسرحية، كلها تظهر بحث الإنسان عن الكمال والجمال، وعن فهم العلاقة بين الجسم والروح. كان أرسطو يصف الفن كمحاكاة للواقع، لكنه ليس مجرد نسخ، بل إعادة خلق لجوهر الأشياء، وهو بذلك يقدم إطاراً فلسفياً للفن ككشف للحقيقة. فهل الماندالا، ورقصات الكاثاكالي، والمنحوتات البوذية، كلها ليست مجرد فنون، بل خرائط روحية توجه النفس نحو التحرر؟

الماندالا نفسه هو رمز للتوازن الكوني، والتأمّل في تكرار الأشكال يعطي تجربة استبطانية، تجعل من الفن أداة للتأمّل والوعي الذاتي. كما أن الفن الإسلامي يبتعد عن تمثيل الكائنات البشرية، ويميل إلى التجريد والتكرار الهندسي، وهو احتفال بالجمال المطلق من خلال الوحدة والتنوّع في الأنماط. والزخارف الهندسية والكتابية ليست فقط تزييناً، بل تعبيراً عن الكمال الإلهي، وعن حضور لله في تفاصيل الكون، إذ تتحوّل الزخارف إلى شكل من أشكال التأمّل الروحي. فهل الفن دائماً ما كان مخزناً للمعاني الخفية التي لا تصلها الكلمات؟

في عمله، استكشف سيغموند فرويد كيف تعبّر الرموز الفنية عن اللاوعي، والأحلام، والرغبات المكبوتة، وأن الفن هو شكل من أشكال التحرر النفسي، والتصالح مع الذات. أما كارل يونغ فقد رأى في الرموز الفنية مثل الماندالا والأساطير تجسيداً للروح الجماعية الإنسانية، حيث يمتد الفن ليكون ذاكرة نفسية مشتركة. فهل الفن ليس مقتصراً على المتاحف أو اللوحات، بل هو في تفاصيل حياتنا اليومية؟

العمارة تعكس حضارات وثقافات، وتحكي عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، واللغة نفسها هي فن، فيها موسيقى الكلمات، وتشكيل الجمل التي تنقل مشاعر وأفكار. كما أن الطقوس الدينية غالباً ما تكون فنية: تراتيل، رقصات، ملابس، وأدوات تعبيرية تحمل رموزاً عميقة والتصميم والأزياء يتحدث عن الهوية، الطبقة الاجتماعية، والتقاليد. كل شيء من حولنا هو لوحة تنتظر من يقرأها. فمع التطور التكنولوجي، ظهر الفن في أشكال جديدة التصوير الفوتوغرافي، السينما، الفيديو آرت، والرقمي. لكن جوهر الرسالة ظل ثابتاً التعبير عن الذات، وإيصال رسالة، وطرح أسئلة عن الوجود. في عصر التشظي والهويات المتعددة، أصبح الفن منصة لحوارات ثقافية، سياسية، واجتماعية، ووسيلة للتغيير والتمرّد. كما في مسلسل هانيبال، لا تقتصر الأعمال الفنية على كونه ديكوراً، بل هي رسائل خفية تعكس الحالة النفسية، الصراع الوجودي، وتحوّلات الشخصيات. أطباق هانيبال التي تُقدم كلوحات، تجمع بين القتل والإبداع، وترمز إلى تحكمه في الحياة والموت. رموز التنين الأحمر تعكس الصراع مع الظل الداخلي، حيث يصبح الفن مرآة للنفس البشرية. المشاهد البصرية الدقيقة واللوحات الحيّة تكشف عن فلسفة الحرية، التمرّد، والتوحّد مع الظل. أليس الفن رسالة الإنسان إلى ذاته والعالم؟

الفن ليس ترفاً أو تجميلاً، بل هو لغة الروح وجسر بين العالم الداخلي والخارجي. هو رسالة خفية تحمل المعاني التي تتجاوز الزمن والمكان، ترصد الصراعات الداخلية، تطلّعات الإنسان، وتجاربه مع الغموض المطلق. في كل حضارة، عبر كل ثقافة، يظل الفن أداة مقدّسة للتواصل، وفهم الذات والآخر، وهو مرآة تعكس أعمق ما في الإنسان.

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة