د. أيمن بكر لـ«اللواء»: النقد الثقافي هو امتداد ضمن امتدادات أخرى ممكنة يتخذها النقد الأدبي
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
اتصالات مكثفة لم تحرز أي تقدم في مسار التفاوضفي قلب كل ثقافة ينبض سؤال جوهري عن الحرية والإبداع، عن قدرة الإنسان على أن يقرأ العالم ويصنع منه معنى يتجاوز حدود المألوف والموروث. وإذا كان النقد الأدبي مرآة تعكس عمق هذا السؤال، فإن النقد العربي اليوم يبدو محتشداً بتوترات متراكمة، بين ماضٍ مُبجَّل لا سبيل لإحيائه، ومستقبلٍ مجهول نخشاه ونحاول تأجيل مواجهته بكل ما نملك من تحفّظ وجمود. هنا تكمن الأزمة، ليست في النصوص وحدها، ولا في القارئ، بل في العلاقة بينهما، وفي البنية الثقافية التي تحكم إنتاج المعرفة، وتحدد شروط التفكير الحر، وتضع قيودا على الإبداع. ومع دكتور أيمن بكر أجريت هذا الحوار:
{ هل تعتقد أن أزمة النقد العربي هي بالأساس أزمة فلسفية في المقاربة؟ أم أزمة تكوين معرفي؟
- هناك أزمة في الفكر العربي عموما، تتصل بكيانين مترابطين بصورة مفعمة بالتوتر، أحدهما يبتلع الآخر ويحاول السيطرة عليه، والثاني يسعى دوما للحصول على درجات أعلى من الاستقلال: الكيان الأول المحيط هو الثقافة بوصفها منظومة القيم المعلنة التي تميّز كل ثقافة ويظن أفرادها أنها تحقق الاستقرار والأمان بالتحديد، وما يرتبط بهذه القيم من أنظمة اجتماعية وقانونية، وكذلك الفنون والآداب والعادات والسلوكيات. والكيان الثاني الجزئي الساعي للاستقلال هو مؤسسات إنتاج المعرفة ضمن تلك الثقافات. لم يعد خافيا أن الثقافات العربية لم تعد فقط تخشى الحرية وما يصحبها من مغامرة استكشاف على مستوى الإبداع الفكري والفني، لكنها صارت بوضوح معادية للحرية والإبداع وبصورة مقننة. من زاوية ثانية وبسبب وقوعنا بين ماضٍ مبجّل لا سبيل لاستعادته، ومستقبل مخيف نجهله ونحاول تأجيله باستخدام كل ما نتميّز به من محافظة وجمود شهي، أصبحنا ثقافات تعاني من دوار حضاري يجعلنا نلف ضمن دوائر لا تفضي إلى شيء. في ظل هذه الحالة كيف نتوقع أن تتمكن مؤسسات إنتاج المعرفة وعلى رأسها المؤسسات التعليمية والجامعة بالتحديد، من صنع تراكم معرفي في مجال النقد الأدبي، سواء على مستوى التنظير، أو التطبيق المُبدِع، بما يتفاعل مع ما تنتجه المؤسسات الغربية التي تتمتع بدرجة أكبر من الحرية، وحماية الإبداع؟!
{ هل من أمثلة عربية راهنة استطاعت تجاوز هذه الأزمة؟ أم أن النقد العربي ما يزال عالقاً في اللحظة البنيوية؟
- البنيوية تناسبنا؛ لأنها تقدم نظام فهم للعالم يحاول السيطرة عليه، وذلك من خلال ظواهر العالم في بنيات مغلقة، تتفاعل مفرداتها ضمن قوانين مكشوفة للوعي بصورة تمنع المغامرة والمفاجأة بالتالي. البنيوية مع ذلك ليست شيطانا يهدّد الفكر، بل إنها تبدو غريزية في محاولة فهم العالم، لكنها تهدّد مرونة الفكر وقابليته لاكتشاف مساحات فهم مختلفة وجديدة. غير أن الأزمة حتى لدى الأفراد الذين حققوا انفلاتا نسبيا من الثقافات العربية المعادية لحرية الإبداع، هي محدودية المنجز الفكري التنظيري تحديدا، أيا كانت عبقرية صاحبه، لأنه يعمل بمفرده، فلا توجد مؤسسات لتحميه أو تسمح بمراكمة الفكر النقدي بين الأجيال؛ فأصبح وجود ناقد مبدع في الثقافات العربية مشروطا بأن يبدأ عمله من نقطة الصفر في كل مرة. بعبارة أخرى؛ يقضي غياب التراكم الذي تحققه المؤسسات المعرفية ذات الإيقاع المنتظم، على إمكان أن يحقق الأفراد اختراقا واضحا ضمن الفكر الفلسفي والنقدي العالمي.
{ تطرح التحليل الثقافي كامتداد للنقد الأدبي، ولكن ألا يوجد خطر من ذوبان الجماليات الفنية للأدب في سياقات اجتماعية وسياسية؟ كيف نحفظ خصوصية الأدب دون عزله عن السياق؟
- النقد الثقافي هو امتداد ضمن امتدادات أخرى ممكنة يتخذها النقد الأدبي في علاقته بتطور الفكر عموما. وأودّ هنا وضع شرط أساسي للنقد الثقافي المنصب على النصوص الأدبية، وهو أن يكون تحليل جماليات النص منطلقا أساسيا يتضافر مع أي توجه تحليلي آخر يمكن أن يقترحه الناقد، سواء أكان سياسيا أو نفسيا أو اجتماعيا... الخ. بهذه الطريقة، لا يمكن للنقد الثقافي أن يتحوّل إلى خطاب تأريخي للمجتمعات وتفاصيلها الثقافية بمعزل عن جماليات النص وخصوصية النوع الأدبي.
{ هل هناك نماذج عربية أو نصوص معينة تعتقد أنها تتطلّب تحليلا ثقافيا بالضرورة ولا تكفيها المقاربات الجمالية أو البنيوية التقليدية؟
- قد يبدو السرد بمختلف أنواعه هو المجال الأنسب للنقد الثقافي، بسبب عمليات التمثيل الثقافي شبه المباشرة التي تقدمها السرود معظمها، لكن هذا التصور يبدو منقوصا في حال توفر المهارة في تحليل جماليات الشعر والموسيقى والرسم ضمن سياقاتها الثقافية. المقاربة الجمالية تبقى مهمة وقادرة على الوجود المستقل، لأنها لا تسعى إلى الكشف عن كنز المعنى، بل تكشف طريق الوصول إلى المعنى، وهو ما سيبقى مشوّقا ومهما لفهم تجربة القراءة، والأثر النفسي والعقلي كليهما للنصوص الأدبية.
{ كيف تعرّف بدقّة مصطلح «السرد المكتنز» الذي اقترحته في كتابك الثاني، وما الفجوة المنهجية أو المفهومية التي حاولت أن تملأها به داخل النظرية السردية البنيوية؟ وهل يمكن اعتبار هذا المصطلح مدخلاً منهجياً بديلاً أم أداة تحليلية تكميلية ضمن مشروع التحليل الثقافي للأدب؟
- السرد المكتنز هو سرد مكتمل، لكنه مختبئ/مضغوط تحت السطح ضمن نص اخر يحتويه. أي إنه يلعب دورا محدودا ضمن النص الذي يحتويه سرد، كما أنه سرد يمكن أن يوجد في أي نص؛ سواء أكان سرديا أو شعريا أو غير ذلك. إنه جزء من مفهوم الفجوات النصية التي يقترحها النقد المنصب على القارئ؛ لكنه فجوة من نوع خاص: سرد تحديدا.