اخبار لبنان

جريدة اللواء

ثقافة وفن

(بعد ما سمّيْتها) حياة لمّا تحِنْ بَعْد

(بعد ما سمّيْتها) حياة لمّا تحِنْ بَعْد

klyoum.com

تعيد مسرحية «بعد ما سمّيْتها» إنتاج السيرة الذاتية لكل من «مجد» (حمزة كركي) و«يحيى» (موسى شمس الدين) عصارةَ سنواتٍ طويلة من أيامٍ وليالٍ عاشاها معاً منذ سن المراهقة، وخَبِرا فيها حلو الحياة ومرّها، من على مسرح المدينة، وبتوقيع ونص عماد حمود، على الكوميديا الاجتماعية التي امتزجت بالدراما الرومانسية، فحطمت قاعدة الوحدات الثلاث باستثناء الحفاظ على وحدة الحدث المتماسك من بداية العرض، وذلك حتى لا يتلاشى تفكير المتفرج وتركيزه على رسالة فنية من مفهوم جمالي خاص يبسط شكلاً فنياً مُغايراً يربط ثالوث الفعل، والأزمة، والصراع بين الانسان والقوى المتنوعة من حوله، إما على المستوى الاجتماعي، أو على مستوى القوى المجردة الكبرى كالوجود والموت والزمن. إذن، لم يركن الاخراج إلى ربط حكايته وحبكته بنوعٍ مسرحي ما محدد مما اعتادت عليه المسارح تقليديا، إنما اشتغل على دراماتورجيا خاصة تنطلق من خامة المضمون الذي يعود لمرجعيته، في اشتغال نصي/ درامي فتح على إيجاد خط متصل بين وقائع وأفكار متباعدة زمنياً ومكانيا، نجح بتوضيح علاقة الشخصيتَين ببعضهما منذ أول العرض، وفي إظهار إحساس كل منهما سواء بالذات أو بالعالم من حولهما، حجمه وحقيقته، خلال مجهود أدائي واضح وازى ما أراد الحوار قوله مع التركيز على حركية كل منهما، بمصاحبة الموسيقى أحيانا أو بدونها، من دون إفقاد العمل طابعه الذي يحدد المتعة للجمهور، لكل الجمهور، لا لنوعية خاصة، وما يراه من امتداد لحياته على الخشبة. حرّض الإخراج خيال النظارة من أجل بناء الصورة الحقيقية للعرض من منظورهم المجرد الدلالي، ومن مقام التفاعل ووعي الجزئيات حالّةً مكان الكليات أو العكس: مثول الشخصيتَين أمام لجنة امتحان الدخول إلى الجامعة، ذكرياتهما مع أصدقاء قدامى فُقِدوا، حب وطيش وطموحات المراهقة، ذكريات «الفوتبول» وجمهور البنات المعجبات، قصة والد «مجد» المهاجر الذي عاد في الوقت الخطأ أثناء الحرب فكاد يُقتل، توازيها قصة والد «يحيى» صاحب المأكولات الشهيرة الذي قُصف مطعمه، صوت طائرة الـــ «MK» المشؤومة الرامز إلى موت محتمل يواجهها ابن الجنوب بالسخرية واللامبالاة وهي تتجول بصوتها الشهير فوق رأسه على مساحة السماء القريبة، اتهام أحدهما الآخر بالغباء ثم تراجعهما بعدما تنبّها أنهما شركاء في كلّ ما فعلاه خلال حياتهما، فلا يمكن أن يتذاكى أحدهما على الآخر، حكايات الزواج والأطفال والأعمال والأصدقاء والقرارات الصعبة، كلها ذكريات كثيرة لا نلبث في خاتمة العرض أن ندرك أنها مرويات، قليلها جدّي وصحيح، وكثيرها الآخر الذي هو مصيري لم يكن إلّا أحلاما؛ ذلك أن «مجد» لم يحقق طموحه في إنشاء الشركة التي كان يحلم بها، ولا وجد رفيقه الذي هو أفضل الرفاق بل ما زال ينتظره، ولا رُزق بزوجة ولا أولاد، وليس هناك من قرارات اتخذها، بل لم يكن هناك قرارات أصلا. إنها محاولة يائسة لإعادة تشكيل ذواتنا سواء بالعاطفة أو بالعقل إلّا أنها محكومة بالقدر، بالحياة التي تمضي ولمّا نجد لها اسمها الحقيقي، بل لربما لمّا تحِنْ بَعْد.

الحسام محيي الدين

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة