اخبار لبنان

جريدة الأنباء

سياسة

المستشار في التنمية أديب نعمة لـ«الأنباء»: على الحكومة أن تلحظ الأبعاد الاجتماعية الشاملة للنزوح بما يتجاوز العمل الإغاثي

المستشار في التنمية أديب نعمة لـ«الأنباء»: على الحكومة أن تلحظ الأبعاد الاجتماعية الشاملة للنزوح بما يتجاوز العمل الإغاثي

klyoum.com

بيروت ـ اتحاد درويش

تجاوزت أعداد النازحين بشكل مطرد بعد الثاني من مارس الماضي، حتى وصلت إلى ما يناهز المليون، إثر اتساع رقعة الحرب، وما خلفته من خسائر بشرية قاسية ودمار هائل في الممتلكات، وانعكاس ذلك كله، والذي لا يقل قساوة، على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي سيترك أثرا طويلا على الأسر النازحة التي تترقب العودة إلى ديارها التي غادرتها قسرا، وسط مخاوف من أن تطول هذه الحرب.

هذا الأمر، إطالة أمد الحرب، سيضاعف من المعاناة على المستوى النفسي والاجتماعي في أماكن النزوح وفي المجتمعات المضيفة.

ولا يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل يمتد ليطرح السؤال عن امكانية العودة الكريمة للنازحين قسرا إلى ديارهم، في ظل ما ألحقته الحرب من دمار هائل لقرى ومناطق مسحت بشكل شبه كامل، لاسيما تلك الواقعة على الحدود الجنوبية التي دمرت منازلها وبنيتها التحتية ومؤسساتها، فضلا عن الأضرار الفادحة بالبيئة وانعكاسات ذلك على مقومات العيش وتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

المستشار في التنمية في«شبكة المنظمات العربية غير الحكومية» أديب نعمة عرض في حديث إلى «الأنباء» لأزمة النزوح من جوانبها كافة، وبادر إلى القول «غالبا ما يفهم بالآثار الاجتماعية للنزوح، الجانب المتعلق بالأوضاع المعيشية العامة والفقر والحرمان من السكن والأساسيات. وهذه مسائل أساسية تتطلب تدخلا عاجلا من قبل المؤسسات المعنية. الا أن الأمر أبعد من ذلك بكثير لاسيما عندما يكون النزوح كثيفا يطال حوالي 20% من سكان لبنان، اذ حتى نهاية شهر مارس 2026، بلغ عدد النازحين بفعل الحرب الحالية أكثر من مليون نازح، بما في ذلك نزوح جماعي وشبه كامل من القرى الحدودية والمناطق الأكثر تعرضا للاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب والبقاع وبعض أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت».

ولفت نعمة النظر إلى «أن حوالي 140 ألف نازح منهم (أي حوالي 15%) متواجدون في مراكز النزوح البالغ عددها 660 مركزا في لبنان، فيما الأغلبية الساحقة ينتشرون في مختلف المناطق سواء في بيوت ثانوية يملكونها، أو عند أقارب، أو يستأجرون مساكن مؤقتة، أو هم في أماكن متفرقة خارج مراكز الإيواء. ويشمل ذلك اللاجئين السوريين المتواجدين في المناطق المعرضة للقصف في لبنان الذين لم يعودوا إلى سورية».

ورأى نعمة «أن النزوح هو اقتلاع كامل للأسر النازحة، لا بل لقرى وأحياء بكاملها، من بيئتها الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعيش فيها، بما في ذلك فقدانها السكن ووسائل العيش كلها تقريبا. وبهذا المعنى فإن الأمر لا يقتصر على تدهور كمي في مستوى المعيشة، بل هو تقويض كامل لكل متطلبات الحياة وتفكيك خطير للنسيج الأسري، وللنسيج الاجتماعي المحلي. فأفراد الأسرة يمكن ان يتشتتوا، كما تتفكك العلاقات الاجتماعية مع الأقارب والجيران ومع شركاء العمل والنشاط الاقتصادي، ومع مجمل النسيج المجتمعي المحلي بسبب نزوح القرى أو الاحياء بكاملها. إن الآثار الاجتماعية بالمعنى العام، وكذلك الآثار النفسية على النازحين تكون بالغة الخطورة، لاسيما على النساء والأطفال، كما على الشباب، وعلى بعض الفئات الخاصة كالأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى تعطل الأعمال، وتعطل الدراسة للتلامذة والطلاب. ولهذا كله نتائج خطيرة بعيدة المدى».

وفيما يساور القلق عن المدى الزمني الذي قد تبلغه هذه الحرب قال نعمة: «أن تطول الحرب ليس توقعا مستقبليا، بل هو واقع خطير متجسد أمامنا كل يوم. لا ننسى أن لبنان لم يخرج بعد من نتائج حرب الإسناد الأولى منذ الثامن من أكتوبر 2023 والتي استمرت في شكل حرب مفتوحة حتى توقيع اتفاق وقف الاعمال العدائية في 27 نوفمبر 2024. كما استمرت الاعتداءات على لبنان بعد ذلك واستمر تهجير سكان القرى الحدودية حتى يومنا هذا، حيث نحن في حرب إسناد ثانية منذ بداية مارس الماضي. ولو توقفت الحرب اليوم لا عودة للنازحين، اذ ان قرى بكاملها في الجنوب مدمرة بشكل كلي أو شبه كلي، وكذلك وحدات سكنية كثيرة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. كما أن القوات الإسرائيلية تعمل على تنفيذ خطتها بإقامة منطقة عازلة كما تصرح بذلك كل يوم، وهذا ما نراه على أرض الواقع، ويعني أن عودة السكان إلى قراهم غير ممكنة ماديا بسبب تدمير المنازل والبنى التحتية، إضافة إلى كونها غير ممكنة سياسيا وأمنيا دون ترتيبات جديدة تضمن حماية الناس وعودتهم وعملية إعادة الاعمار. والأمر الخطير والمحزن هو أنه لا توجد مؤشرات على إمكانية ذلك في المدى المنظور، ما يعني ان النزوح سوف يطول لأسباب خارجة عن الإرادة السياسية للحكومة وعن إرادة الأسر النازحة. ومثل هذا النزوح الطويل الأمد، ستكون له نتائج أكثر خطورة وامتدادا في الزمن على الأسر النازحة وعلى المناطق اللبنانية الأخرى التي تستضيف النازحين على حد سواء».

وفي هذا الإطار، لفت نعمة إلى «أنه يجب أن لا نغفل أن لبنان عاش مراحل متعددة من الحرب الاهلية منذ 1975، في صيغة حرب محتدمة من خلال مواجهات مسلحة مباشرة، أو في صيغة حرب أهلية باردة تتجسد في استقطابات سياسية وشعبية حادة، واغتيالات، وخطاب كراهية، وانقسامات مطبوعة بالخيارات السياسية الإقليمية والطائفية، شديدة التداخل وتطال أيضا المواقف من الحرب والانخراط فيها، والموقف من الدولة نفسها ومن فكرة حصرية السلاح وامتلاك قرار الحرب والسلم. ان الموقف العام للناس في مختلف المناطق، وفي أوساط النازحين، لا يزال موقفا تضامنيا تعززه تجربة احتضان اللاجئين خلال حرب الإسناد الأولى التي عاشها النازحون انفسهم ولمسوا خلالها مستوى التضامن الإنساني معهم».

ورأى نعمة «أنه مقارنة بالتجارب السابقة، فإن استجابة الحكومة تبدو أفضل من السابق. الا ان ثمة عوامل تضعف هذه الاستجابة لناحية حجم النزوح هذه المرة الذي هو أكبر بشكل واضح من المرة السابقة. كما أنه يتم خلال أيام وفي شكل نزوح جماعي لقرى ومناطق بأكملها بفعل الإنذارات الإسرائيلية».

*المصدر: جريدة الأنباء | alanba.com.kw
اخبار لبنان على مدار الساعة