د. فوزي زيدان كما عرفته
klyoum.com
السفير بسام نعماني
لم أكن شديد المعرفة بالدكتور فوزي زيدان قبل ترؤسه لجنة ملتقى بيروت. كنت معجباً بالبيانات التي كان يصدرها خلال الإنتخابات النيابية والتي كان يدعو فيها إلى الإنخراط في الحياة السياسية وعدم المقاطعة. وكنت أقرأ هذه البيانات التي كان يصدرها بإهتمام بالغ لأنها كانت تعكس فكراً عميقاً وتحليلاً واقعياً للأحداث واهتماماً صادقاً بأوضاع بيروت. وكان زميلي في لجنة ملتقى بيروت المحامي حسن كشلي يردد لاحقاً أمامي دائماً «أنت لا تعرف د.فوزي ولا تدرك كم التأثير الإيجابي الذي صنعه في جميعة إتحاد العائلات البيروتية والتي أدت إلى الكثير من الإنجازات في الإتحاد».
والآن، وبعد مرور خمس سنوات على ترؤسه للجنة الملتقى أستطيع أن أقول بأنه كان طاقة لا تهدأ تنظيماً وإدارةً وإنتاجاً. أتى ويحمل خبرة طويلة في الجراحة والطب، وبالعمل العام سواءً كمستشار لدار الفتوى أو لرؤساء الوزارة المتعاقبين وكرئيس لإتحاد العائلات البيروتية، وأخيراً ملتقى بيروت. لا يوجد موضوع إلا ويقارعنا بما حصل هنا وما حصل هناك! لم يكن يصبر على الهزار وتضييع الوقت! دائماً يعيدنا إلى جدول أعمال الجلسة ويصر على إستكماله. وطبعاً يستند إلى الأوراق ومحاضر الجلسة الماضية التي يكون قد أعدها ووزعها قبل الاجتماع بشكل دقيق، طالباً من الأعضاء التعليق أو التصحيح ومن ثم إمهارها بتوقيعهم. جمع بين الصرامة والديمقراطية. يستشيرنا في الأغلبية العظمى من الأمور. وفي أمور أخرى يصر على موقفه ولا يهادن. وليحصل ما يحصل!
ولا أظن بأن أي نشاط من نشاطات الملتقى لم يتم التمهيد له بأقل من شهرين من الاجتماعات شبه الإسبوعية بحثاً وتحضيراً ومناقشةً حول جميع جوانب المحاضرة المنوي عقدها على سبيل المثال. وكان يشرف مباشرة على التحضير وترتيبات الاستقبال وكيفية توزيع المقاعد على كبار الشخصيات. كما أنه كان يحرص بعد توجيه الدعوات المكتوبة وتلقي التأكيدات بالحضور أو الاعتذارات بالغياب، بأن يقوم هو شخصياً بإجراء عدة إتصالات ليؤكد على الحضور، ويثبته، ويعيد تأكيده! فهو لا يريد أن يترك مجالاً اللهفوات أو الأخطاء! طبعاً مع توجيه الملاحظات إلى أعضاء اللجنة الإدارية بأننا نتركه يتحمل مسؤولية العمل وحده ولا نساعده بما فيه الكفاية وأن الأمور كلها ملقية على أكتافه! كانت هنالك منافسة «شريفة» مع العديد من الجمعيات البيروتية التي كانت كانت تقيم محاضرات ثقافية موازية لنا. ولهذا كان حريصاً على أن تكون محاضرة الملتقى التي تم اختيار يوم الثلاثاء اعتيادياً لإلقائها، منبراً ثقافياً وراقياً وجذاباً. وأظنه قد نجح في ذلك إلى حد بعيد. وكان يلقي كلمة ترحيبية مكتوبة في عناية، يواصل فيها منهاجه في رسم تصوره للمعضلات التي يواجهها البلد على الصعيد الوطني مركزاً دائماً على المشاكل الخاصة التي تعاني منها مدينة بيروت. ولا يخشى في ذلك لومة لائم!
كانت تربطه علاقة خاصة مع سفير المملكة العربية السعودية د.وليد البخاري، ويداوم على زيارته، مصطحباً في أحيان كثيرة أعضاء اللجنة الإدارية. وكان ينوي أن يكرمه في الإفطار الأخير الذي كان يجري تنظيمه لينعقد في آذار. إلا أن الظروف لم تمهله واضطر في الآخر إلى إلغاء الإفطار آسفاً ومضطراً نظراً لاشتداد وطيس حرب الإسناد الثانية.
كان نشيطاً أيضاً في اجتماعات منتدى بيروت الذي كان ينعقد في بيت سعادة النائب فؤاد مخزومي بشكل شهري. فبعد أن يلقي سعادة النائب كلمة تقييمية يستعرض فيها آخر تطورات الأحداث السياسية والوطنية، يعقبه رئيس تحرير اللواء الاستاذ صلاح سلام، ثم الصحافي زياد عيتاني، ثم يستكملها د.فوزي بمداخلة تتخاللها صراحته المعهودة التي عودنا عليها. وكانت اجتماعات المنتدى في كثير من الأحيان يشار إليها في وسائل الأعلام بأنها اجتماعات ملتقى بيروت. فكان يضحك من ذلك ويقول «عليكم أن تقرروا ... إما المنتدى وإما الملتقى!»
في المحاضرة الأخيرة التي استضاف فيها وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، طلب مني أن ألقي الكلمة التي أعدها بهذه المناسبة لأنه حاول إلقائها في اليوم السابق وفشل لما كان يعتري صدره من ضيق في التنفس بعد أن خرج من المستشفى نظراً للعارض الصحي الذي ألم برئتيه. وأنه سيحاول الحضور ويلقي فقط الكلمة الترحيبية. وقال لي لاحقاً بأنه عندما رأى الناس اللذين يحبهم ويحبونه أحس بالقوة والنشاط، وقرر قلب الأمور، فأرسل لي الكلمة الترحيبية القصيرة في آخر لحظة لأقرأها، وأخذ مني المداخلة الطويلة التي حضرها وأدار الجلسة وكأن شيئاً لم يكن.
رحم الله الدكتور فوزي وطيب الله ثراه وأسكنه فسيح جنانه.