ثلاثة مفكّرين يهود حذّروا من تبعات المشروع الصهيوني
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
الخطيب في عيد الفطر: المسؤولون تخلوا عن واجبهمشهد الفكر اليهودي منذ أواخر القرن التاسع عشر جدلاً واسعاً حول المشروع الصهيوني، بين مؤيدين رأوه مشروعاً قومياً، ومنتقدين اعتبروا أن تحقيقه على أرض مأهولة سيقود إلى صراع وظلم وعنف. ومن بين أبرز الأصوات النقدية التي قدّمت تحذيرات مبكرة ومؤثرة: آحاد هعام (آشر غينسبرغ)، وسيلفان ليفي، وإيلان بابه. وقد جاءت هذه التحذيرات من داخل الفكر اليهودي ذاته، ومن سياقات زمنية مختلفة، لتسلّط الضوء على مخاطر بنيوية في المشروع الصهيوني منذ بداياته.
1) آحاد هعام (آشر غينسبرغ): نقد أخلاقي للمستوطنين الأوائل
يعدّ آحاد هعام (1856 – 1927)، المعروف بكنيته العبرية Asher Ginsberg، أحد أبرز منظّري «الصهيونية الثقافية». وعلى الرغم من دعمه لفكرة إحياء ثقافي وروحي لليهود، فإنه انتقد الصهيونية السياسية والممارسات الاستيطانية المبكرة نقداً شديداً.
في مقالته الشهيرة «الحقيقة من فلسطين» (1891)، وثّق هعام معاملاتهم للفلاحين العرب، منتقداً غرور بعض المستوطنين وعنجهيتهم، فكتب:
«يعاملون العرب معاملة العبد حين يصبح ملكاً». حيث يصبح سلوكه استبدادياً طاغياً متعجرفاً.
رأى هعام أن هذا السلوك يتناقض تماماً مع المبادىء الأخلاقية التي يفترض أن يحملها المشروع، وأن تجاهل وجود العرب وحقوقهم سيقود إلى صدام حتمي ويفسد أي إمكانية للتعايش.
2) سيلفان ليفي: تحذيرات دبلوماسية مبكرة في مؤتمر السلام 1919 باريس
كان سيلفان ليفي (1863 – 1935)، العالم اليهودي الفرنسي في الدراسات الأسيوية، من الأصوات القليلة التي انتقدت المشروع الصهيوني بوضوح داخل الدوائر الأوروبية الرسمية. وخلال مداولات مؤتمر باريس للسلام عام 1919، حذّر من أن محاولة إقامة كيان سياسي يهودي في فلسطين – دون مراعاة سكانها الأصليين – ستؤدي إلى اضطرابات عنيفة طويلة الأمد.
أكد ليفي أن فلسطين ليست «أرضاً بلا شعب»، وأن خلق واقع سياسي جديد بالقوة سينتج مقاومة لا محالة. وقد كانت مداخلاته احدى الإشارات المبكرة لخطورة تجاهل الحقائق الديموغرافية والاجتماعية في البلاد.
3) ايلان بابه: المؤرّخ الذي
أعاد قراءة أحداث 1948
يعدّ ايلان بابه (مواليد 1954) من أبرز المؤرخين الجدد الذين أعادوا فحص الرواية الإسرائيلية لأحداث النكبة. وفي كتابه «التطهير العرقي في فلسطين» (2006)، قدّم تحليلاً يعتمد على وثائق الأرشيف الاسرائيلي، معتبراً أن تهجير الفلسطينيين سنة 1948 كان نتيجة سياسات مخطّطة لا مجرد حرب عفوية، حيث استعملت كافة أنواع الارهاب والقتل.
انتقد بابه فكرة الصهيونية ذاتها بوصفها مشروعاً أوروبياً استيطانياً يستبعد السكان الأصليين، ودعا إلى إعادة الاعتراف بالواقع التاريخي وفتح باب العدالة والمساءلة.
مقتطفات تاريخية تؤكّد التحذيرات المبكرة
لم تقتصر التحذيرات حول تبعات المشروع الصهيوني على المفكرين اليهود، بل ظهرت كذلك في شهادات سياسيين غربيين مطّلعين على ديناميكيات الحركة الصهيونية.
ففي عام 1937، قدّم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد لويد جورج شهادته أمام «اللجنة الملكية لفلسطين» (لجنة بيل)، مشيراً إلى قوة النفوذ السياسي للحركة الصهيونية عالمياً، ومحذّراً من أن معارضة طموحاتها قد تضع بريطانيا أمام صعوبات سياسية عميقة. جاءت هذه الشهادة لتؤكد حجم الضغط السياسي الذي كانت الحركة قادرة على ممارسته، ولتظهر إدراكاً مبكراً لتعقيد التوازنات المحيطة بفلسطين. وقال لويد جورج في مقابلته مع لجنة بيل، ان اليهود شعب خطير، اذا تشاجرت معه ولكن في نفس الوقت شعب متعاون إذا صادقته.
وتتلاقى هذه الشهادة - على اختلاف سياقها - مع تحذيرات أحاد هعام التي سبقتها بنصف قرن، إذ رأى في سلوك بعض المستوطنين الأوائل «غطرسة عبداً أصبح ملكاً»، محذّراً من أن مثل هذه الذهنية ستقود إلى ظلم وصراع بدلاً من أي مشروع أخلاقي أو إنساني.
يكشف تحليل أعمال آحاد هعام، وسيلفان ليفي، وإيلان بابه أن النقد الداخلي للمشروع الصهيوني ليس أمراً طارئاً، بل جذوره ممتدة منذ لحظاته الأولى. وقد أكدت شهادات سياسية معاصرة – مثل شهاداة لويد جورج – أن المخاوف من نتائج المشروع لم تكن حكراً على المفكرين فقط، بل كانت ملموسة حتى لدى صنّاع القرار.
وتظهر هذه الأصوات التاريخية أن تجاهل واقع فلسطين وشعبها لم يكن يوماً مساراً آمناً، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلّا باعتراف بالعدالة والانصاف، وبفهم السياق التاريخي بعيداً عن الروايات الأحادية.