اخبار لبنان

جريدة اللواء

ثقافة وفن

المراءاة!

المراءاة!

klyoum.com

ما اكثر المرائين في مجتمعنا، وما اشد خداعهم ونفاقهم. فهم يتلونون تلون الحرباء، ويراوغون مراوغة الثعلب، ويتظاهرون بطيب القلب، وصفاء النفس، والإخلاص في الصداقة، حتى إذا وثقت بهم، واستسلمت اليهم، انقلبوا عليك، واعلنوا ما خفي من امرك، وراحوا يشوهون الحقائق ، ويختلقون الأكاذيب، وينشرون ما توحيه اليهم ضمائرهم الفاسدة، وعقولهم المريضة.

المرائي جرثوم المجتمع، وعلة ما يثور فيه من آثام وشرور. تراه كالحية الرقطاء، يسعى إلى الآمنين المطمئنين، لينفث فيهم سمه الزعاف، وليزرع بينهم الشقاق والخصام، بما يلفق من أقوال، وبما ينشر من وشايات دنيئة معيبة.

وكثيرا ما ينخدع الناس بذي الوجهين او اكثر، لما يبديه من رقة في الحديث، ولما يجود به من أقسام يؤيد بها قوله،ويدعم بها أباطيله وأوهامه. فهذا المخلوق، لا يتورع في سبيل الوصول إلى مآربه السافلة، عن ان يقسم بلله العلي العظيم، او بحياته وحياة من يعز عليه. اما شرفه، فإنه يحلف به دائما، ليقينه ان لا شيء يضير الشرف المفقود…

قد تعرف في من تعرف، مخلوقا تنطبق عليه المراءاة، بأبشع صورها، واحط معانيها. وكثيرا ما يتظاهر بالمودة الصافية، والولاء المتين. فيسمعك أعذب عبارات المديح والإطراء ، ويقسم لك بأعز ما يملك، انه رمز الإخلاص ومثال الوفاء والاستقامة. ولا تكاد تثق به، وتؤمن بكلامه، حتى ينقلب وحشا ضاريا، دأبه نهش الناس، والتنديد بهم، والطعن في اخلاقهم، وتشويه سمعتهم.

فهو وحده الشريف العفيف، وأهل بيته وحدهم الأتقياء الأنقياء المنزهون عن الشبهات…اما سواهم، فهم الادنياء الساقطون الملوثون بوحول الإثم والفجور.

قد ترى مخلوقا آخر، تتوسم فيه الخير، لما يبدو من صمته بل سكوته ورزانته، ولما يظهره أمامك من خجل وحياء، ولا تكاد تعرفه عن كثب، حتى تنقشع تلك الغيمة التي كانت تستر حقيقته، فإذا به كرفيقه ذو وجهين وأكثر، يطعن في أقفية الناس، وينسج حولهم احاديث لحمتها الوهم، وسداها النميمة والتضليل. ولو عقل ذلك المخلوق، لعلم ان ما يزرعه اليوم سيحصده غدا، وان من يرمي غيره بالمعايب، لا بد ان يرمى باقبح ما رمى به سواه. فالعدالة تنتقم، والشرير مجزي بشره عاجلا ام آجلا.

ان أمثال هذين المخلوقين كثيرون في مجتمعنا، ينسابون إلى احضان الأسر، كما تنساب الأفاعي، ويتصدرون الحفلات، حتى إذا اطمأن اليهم اصحاب القلوب الطيبة، وذوو النيات السليمة، كشروا عن أنيابهم، ونفثوا سمومهم القاتلة، في مجتمعهم الذي غره منهم اللين وحلاوة اللسان والثروات المنهوبة في الغالب، فكان الندم المقيم، والحسرة ، جزاء لمعظم المعجبين بهم!

وما اجمل ما قاله الشاعر العربي في المرائي الخبيث:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

*استاذ في المعهد العالي للدكتوراه

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة