اخبار لبنان

جريدة اللواء

ثقافة وفن

أحمد قعبور.. الوترُ البيروتي الذي رفض الانحناء ولحنٌ صنع وطنًا وأملًا بالمستقبل

أحمد قعبور.. الوترُ البيروتي الذي رفض الانحناء ولحنٌ صنع وطنًا وأملًا بالمستقبل

klyoum.com

في زحمة الأصوات التي تعبر حياتنا كعابر سبيل، ثمة أصوات تولد من طينة الأرض، تشبه الجذور الصابرة لا الأغصان العابرة. هي أصواتٌ تضرب عميقاً في الوجدان، وتظل حاضرة حتى حين تتبدل الفصول وتتغير ملامح الشوارع وتشيخ الوجوه. أحمد قعبور هو هذا الصوت النادر؛ الابن البار لمدينةٍ لم تملّ يوماً من الاحتراق، ولم تكفّ لحظةً واحدة عن النهوض من تحت ركامها.

• صدفةُ الحصار (1982): حين صار اللحن «متراساً»

ذاكرتي معه لا تبدأ من أغلفة الكاسيت أو شاشات التلفزة الملونة، بل ولدت من رحم النار والدخان في عام 1982. في تلك الأيام العصيبة، كانت بيروت محاصرة، والمدى يضيق يوماً بعد يوم تحت وطأة القذائف الصهيونية التي كانت تحاول خنق أنفاس المدينة. في أروقة «إذاعة صوت لبنان العربي»، حيث كان الصمت في تلك اللحظات يعني الهزيمة والاستسلام، أطلّ علينا أحمد قعبور.

جاء يحمل في حنجرته حزناً ثقيلاً بحجم المدينة الجريحة، لكنه فاجأنا بإصراره المدهش على إشهار الفرح كفعل مقاومة يومية. أذكر تماماً ملامحه الشابة الهادئة وسط صخب القصف، وكأن آلاته الموسيقية كانت «متراساً» يحمي ما تبقى من أحلامنا. قدّم لنا إيقاعاتٍ مملوءة بالحياة، وكأنه يرمم بها أرواحنا المنهكة. غنّى يومها: «بيروت يا بيروت يا قصة.. صندوق فرجي كبير». كانت تلك الأغنية، في ذلك التوقيت الجنائزي بالذات، بمثابة المعجزة؛ فكيف لمقاتلٍ باللحن والكلمة أن يفتح لنا «صندوق فرج» والأسوار مطبقة علينا من كل جانب؟ يومها، تعلّمت من أحمد أن الفنان الحقيقي لا يكتفي برثاء الضحايا ونصب السرادقات، بل يسرق الضوء من عتمة الزنزانة ليصنع منه أملاً للصغار، ليخبرهم أن هذه المدينة، رغم جراحها، لا تزال تملك قصصاً جميلة لترويها.

• نشيد «الأنصار»: لقاءاتٌ في محراب الوفاء

علاقتي الشخصية بأحمد تعمقت وتجذرت في سياقٍ بيروتيٍّ خالص، حين كُلّف بإنتاج أغنية لـ «نادي الأنصار الرياضي». تلك القلعة الخضراء التي لم تكن مجرد نادٍ، بل كانت رمزاً لهوية بيروت الشعبية وصمودها العفوي. أذكر تلك اللقاءات الطويلة والممتدة التي جمعتنا، كنا نغوص فيها في ثنايا تاريخ النادي، نبحث عن «الخلطة السرية» التي تجعل من قميص الأخضر نبضاً في عروق الجماهير الوفية.

كان أحمد في تلك الجلسات مسكوناً بحبٍ عميق للأنصار، ومسكوناً أكثر بتقديرٍ استثنائي لمدرب النادي التاريخي، المرحوم عدنان الشرقي. كان يرى فيه تجسيداً للصبر البيروتي والعبقرية الفطرية التي لا تُهزم. من خلال تلك الحوارات التي لم تخلُ من شجن الذكريات، وبحسه المرهف الذي يلتقط ما وراء الكلمات، تمكن أحمد من تقطير هذا التاريخ المجيد. استطاع أن يحول عرق اللاعبين في ملاعب «الطريق الجديدة» وهتافات الجمهور الوفية إلى نشيدٍ خالد. فخرجت أغنية «نادي منادي»، التي لم تكن مجرد ألحانٍ تُعزف في المدرجات، بل كانت صياغة موسيقية لهوية مدينة تعشق البطولة، وتعرف كيف تكرّم رموزها بوفاءٍ لا يمحوه الزمن. لقد نجح أحمد في أن يجعل من «الأنصار» أغنيةً تمشي بين الناس، تختصر في بضعة أبيات أمجاداً كُتبت بالجهد والدم والدموع.

• من «أناديكم» إلى «لعيونك»: نبوءاتُ الوتر الشجي

لم يكن غريباً على من غنّى لبيروت تحت الحصار أن يكون هو نفسه صاحب الصرخة المدوية «أناديكم» في عام 1975. تلك الأغنية التي ولدت لتكفكف دموع والده، محمود الرشيدي، أول عازف كمان في الإذاعة اللبنانية، الذي بكى هزيمة عام 1967 بمرارة لم تبارحه. لقد حوّل أحمد تلك الدمعة الخاصة إلى نشيدٍ كوني للكرامة، صار يتردد في كل ساحات الحرية حول العالم، من فلسطين إلى أبعد نقطة في وجدان المقهورين.

ومع تبدل الأزمان، ظل أحمد قعبور ممسكاً ببوصلة الناس. في التسعينات، دخل بيوتنا عبر «تلفزيون المستقبل» ليس كملحنٍ مشهور، بل كصديقٍ يسكن في تفاصيل صباحاتنا البسيطة. رمم الروح اللبنانية المتعبة بألحان الفجر، وبيارق رمضان، وحكايات «أم أحمد» التي تشبه أمهاتنا جميعاً. وحتى في أغنية «لعيونك»، تجلّت عبقريته الاستشرافية؛ فقد كُتب ولُحن قبل شهرٍ واحد من رحيل الرئيس رفيق الحريري أغنية «معك»، وكأنه كان يستشعر ريح الفجيعة قبل هبوبها. كلمات «قبل الغنيّة معك وبعد الغنيّة معك» لم تكن مجرد سطرٍ عابر، بل كانت عهداً نبيلاً بالوفاء. وحين صوّرها بعد الاغتيال بأسبوع وسط دهشة الجميع، كان رده الذي لا يُنسى: «اللبنانيون اليوم أحوج ما يكونون إلى الأمل». لقد آمن دائماً أن دور الفنان يكمن في البناء وسط الركام، وفي تذكير الناس بأن الحياة ممكنة حتى فوق الجراح.

• خلف الكواليس: الصمود الهادئ حتى الرمق الأخير

خلف تلك الألحان الهادرة والجماهيرية العريضة، يسكن إنسانٌ مطبوعٌ بالخجل والتواضع البيروتي العتيق. لم يتعامل قعبور يوماً مع الفن كسلّم للمجد الشخصي، بل كان يراه «صلاةً» من أجل المكان والإنسان. هو ذاك «المثقف المشتبك» الذي يرفض القوالب الجامدة، ويميل إلى الألحان التي تلامس القلوب البسيطة. شخصيته مزيجٌ ساحر من رهافة عازف الكمان وصلابة المناضل الذي لا ينكسر.

وحتى في سنواته الأخيرة، حين داهمه المرض الخبيث وأراد التعب أن ينال من جسده النحيل، ظلّ أحمد قعبور شامخاً كأشجار «حرج بيروت» التي غنّى لها في شبابه. في لحظات العلاج الكيميائي القاسية، آثر أن يواجه الوهن بالوتر والكلمة. أذكر مشهده المؤثر على خشبة المسرح حين خانته قدماه ولم يسعفه التوازن، فأصرّ على إتمام حفله جالساً وسط عاصفة من تصفيق الجمهور الذي لم يرَ فيه ضعفاً، بل رأى قمة العنفوان البشري. تلك اللحظة لم تكن مجرد عرضٍ فني، بل كانت درساً أخيراً في فلسفته: «إن الغناء في وجه الألم هو الانتصار الحقيقي والوحيد».

• الذاكرة التي لا تموت

أحمد قعبور ليس مجرد فنان عابر في تاريخنا؛ إنه جزءٌ أصيل من نسيج ذاكرتنا الجماعية التي نرفض نسيانها. هو الصديق الذي جاءنا في «صوت لبنان العربي» عام 82 ليفتح لنا «صندوق الفرجة» وسط الحطام، وهو الوفيّ الذي خلّد عرق لاعبي «الأنصار» ودموع محبيهم بصدقٍ منقطع النظير.

ستظل أغنياته، من نشيد الفجر إلى نشيد الفقد، ومن أهازيج الملاعب إلى ترانيم الصغار، نبضاً حياً يذكرنا بأننا كنا هنا، وأننا سنبقى. سيبقى صوته يهمس في أذن بيروت الجريحة كل صباح: «كل شي لعيونك بهون»، ليؤكد لنا أن المدن التي تنجب مثل هذا الصوت، هي مدنٌ عصيّة على الموت، مهما اشتدت عليها الليالي. وتلك الأغنيات ليست أرشيفاً نحفظه، بل هي هواءٌ نستنشقه كلما ضاقت بنا الأوطان.

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة