متغيّرات الإقليم، والانتباه لما هو قادم
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
الزنجبيل قد يساعد في خفض الكوليسترولقبل سنوات طوال، عبرت البحر الأحمر عائدًا من مهمة لحفظ السلام في تيمور الشرقية، في رحلة عاصفة قطعنا بها المحيط الهندي.
وقبل دخول البحر الأحمر عند باب المندب، اضطر قائد السفينة إلى سلوك مسار بديل استغرق ثلاثة أيام، تجنبًا لتجمع للقراصنة، إثر تحذير عبر الأقمار الصناعية.
ومع ذلك، كان عبور البحر الأحمر سهلًا؛ فقد بدا لنا أقرب إلى ممر مائي هادئ وضيق منه إلى بحر مفتوح، إذ كنا نسمع الأذان ونلتقط بث الإذاعات من جانبيه.
فما يحدث عند إحدى ضفاف البحر الاحمر لا يبقى بعيدًا عن سائر ضفافه؛ فالأصوات عابرة، والجغرافيا متداخلة، وكذلك الأمن والاقتصاد والمصالح.
أما باب المندب، فهو من أهم الشرايين المائية في العالم، يربط الشرق بالغرب والجنوب بالشمال، وتعبر منه التجارة وسلاسل الإمداد، مثلما قد تعبر منه التهديدات والفوضى.
وفيما كان العالم يأمل انحسار أزمة الممرات المائية في الخليج، جاءت التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن لتزيد المشهد تعقيدًا حول هذا الشريان.
وفي المشهد الإقليمي الأوسع، وليس بعيدًا عن حدودنا الشمالية، تتسابق قوى فاعلة، تحت جنح الفوضى، لفرض وقائع جديدة للسيطرة على المواقع والممرات الاستراتيجية برًا وبحرًا.
وإذا ما اتجهنا جنوبًا نحو الجانب الإفريقي من البحر الأحمر، يلوح شبح الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، على خلفية مساعي إثيوبيا للوصول إلى موانئه، ناهيك عن الحرب الجاثمة على صدر السودان.
وهكذا، فالبحر الذي بدا لنا يومًا هادئًا، باتت ضفافه على وشك الانفجار، فيما تتحول ممرات الإقليم الحيوية، بفعل فاعل، إلى أدوات ضغط اقتصادي تطال تداعياتها العالم.
وبذلك، لم تعد كل الطرق تؤدي إلى روما؛ فأوروبا التي تنتظر إمدادات الطاقة قد يطول انتظارها، في ظل مضائق وممرات تتشابك فيها المصالح والأطماع.
وتعود إلى الأذهان كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة، بما حملته من قراءة عميقة للمشهد واستشراف لمتغيراته، ولا سيما حديث جلالته عن الانتباه بوصفه موردًا جيوسياسيًا؛ فما نوليه اهتمامًا اليوم، أو نسمح بتشتيت انتباهنا بعيدًا عنه، قد يسهم في تشكيل ما نواجهه غدًا.
وما نتغاضى عنه اليوم قد يتحول غدًا إلى واقع يصعب تغييره، بينما نمضي نحو ساعة صفر لا يدرك كثيرون مدى اقترابها.
وفي مواجهة هذه الاحتمالات، يمتلك الأردن تجربة راسخة في التعامل مع الأزمات وحماية أمنه واستقراره، وكانت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية في مقدمة من حملوا هذه المسؤولية؛ وهي تجربة تمنحنا الثقة، لكنها لا تبرر التراخي أو الانتظار.
ومن هنا، تبرز ضرورة استشراف التحولات والاستعداد لاحتمالاتها، وتقاسم المسؤوليات بين مؤسسات الدولة والمجتمع؛ فالاستعداد لا يكون عسكريًا أو سياسيًا فحسب، بل اقتصاديًا وإعلاميًا ومجتمعيًا أيضًا، بما يشمل جاهزية معنوية تسبق الأزمات، وخطابًا وطنيًا يحصّن الوعي في مواجهة التضليل والحروب الإعلامية.
ولا ينفصل ذلك عن ضرورة معالجة كل ما قد يضعف الثقة أو يمس تماسك المجتمع؛ فالجبهة الداخلية القوية ليست ترفًا، بل أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني.
ومع تعقّد الحروب المعاصرة وصعوبة حسمها عسكريًا، بات إضعاف الجبهات الداخلية أحد أهداف الصراعات، ووسيلة لتحقيق ما قد يتعذر في ميادين القتال.
فالاستعداد لما هو قادم لا يعني الخوف منه، بل يعزز القدرة على حماية المصالح في مختلف الظروف.
وعلى هذه الأرض المباركة، تتجلى قوة الأردن في يقظة أبنائه ووعيهم، والتفافهم حول وطنهم وقيادتهم، وحسن توكلهم على الله.