التصعيد على السعودية والخليج وأمن الطاقة
klyoum.com
*كيف تعيد الجغرافيا رسم حسابات الأردن؟
تحولت صراعات الشرق الأوسط من مواجهات تقليدية إلى حرب اقتصادية تتمحور حول الطاقة وممرات التجارة كأدوات ضغط إستراتيجي تجاوزت آثارها حدود الدول المستهدفة ولم يعد أمن الطاقة مرتبطاً بالإنتاج، بل بالقدرة على حماية مسارات الإمداد وتنويعها، ويأتي التصعيد الأخير بما فيه الاستهداف الصاروخي المنظم لمطار الرياض للمرة الثالثة، مؤشرا يظهر هشاشة المرافق الحيوية أمام التهديدات العسكرية، والتداعيات المحتملة لاستهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية في مركز إنتاج الطاقة العالمي، والتي اعلن الحوثيين مسؤوليتهم في سياق المواجهة الإقليمية المرتبطة بإيران.
اذ تتجاوز خطورة هذه التطورات الأضرار المباشرة إلى التأثير في ثقة الأسواق، وكلفة التأمين والنقل، واضطراب إمدادات الطاقة كما أن تهديد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب يضع الاقتصادات الإقليمية والقدرة الخليجية أمام تحدي الحفاظ على الاستمرارية، إذ أظهرت الأزمات أن الاعتماد على ممر واحد يرفع التعرض للصدمات، فإن خيارات تنويع المنافذ مثل خط الأنابيب السعودي شرق غرب نحو البحر الأحمر تمثل بدائل تشغيلية هامة دون الاستغناء الكامل عن الممرات التقليدية.
ويبرز سؤال جيوسياسي هام ما الدور الذي تؤديه الجغرافيا الأردنية في معادلة أمن الطاقة والتجارة الإقليمية؟ اذ لابد ان ننظر للخارطة اليوم بشموليه وتوزيع التموضع السياسي والاقتصادي لكل محور فيه بشكل يجيب على تساؤلات هامة توزن فيها القوة الامنية والتوازن السياسي والاقتصادي، حيث يمتلك الأردن اليوم موقعاً يربط المشرق بالخليج، ويتصل بالسعودية وسوريا، ويمثل ميناء العقبة منفذاً بحرياً مهماً يجب اعادة النظر اليه مما يمنحه أهمية في النقل البري والربط اللوجستي، لكن هذا لا يعني حتمية تحوله لممر رئيسي، أو أن المشروعات الضخمة للتخزين هي الخيار الأنسب لمصالحه الوطنية، فهذه الخيارات تحتاج دراسات تقارن بين المنافع والتكاليف الأمنية والمالية، وتحدد القيمة المضافة الفعلية، خصوصاً أن إنشاء شبكات عابرة للحدود يتطلب استثمارات ضخمة، وضمانات استقرار، وضبطاً للمسؤوليات الأمنية المتزايدة، فالأكثر واقعية هو النظر للأردن كدولة تسهم، ضمن إمكاناتها، في تنويع الخيارات وتعزيز مرونة شبكات النقل.
اذ تشير بيانات منشورة عبر وكالة بترا إلى أن اضطراب الملاحة في مضيق باب المندب قد يؤثر في تجارة الأردن مع عدد من الأسواق الآسيوية، إذ تمثل الواردات من الصين والهند نحو 19% من إجمالي واردات المملكة، فيما تجاوز متوسط قيمة الصادرات الأردنية إلى أسواق مرتبطة بهذا المسار وفي ذروة أزمة البحر الأحمر، قفزت كلفة الحاوية من الصين نحو 4 اضعاف، مع رسوم إضافية للمخاطر والنزاعات اذ نمت حاويات الترانزيت 185.6%، وارتفعت طاقته لـ1200 حاوية يومياً، هذا هو الرصيد الحقيقي للبناء عليه عبر مشاريع قائمة لا تحتاج تنظيراً، أولها الربط الكهربائي الأردني-السعودي وثانيها مشروع أنبوب النفط من العقبة للزرقاء، وبحث الأنبوب العراقي-الأردني كمنفذ تصدير إستراتيجي.
وبحكم ان الاردن في خط مواجهة الى جانب الخليج في هذا التصعيد، لا يمكن النظر إلى الأردن بمعزل عن البيئة الأمنية والاقتصادية لدول الخليج، إذ تتقاطع مصالح الطرفين في استقرار المنطقة، وأمن الطاقة، وحماية طرق التجارة والملاحة. فالعلاقة الأردنية–الخليجية لا تستند إلى الروابط العربية المشتركة فحسب، بل تقوم أيضاً على اعتبارات استراتيجية متصلة بأمن الإقليم واستقرار اقتصاده، حيث تنعكس تداعيات أي اضطراب واسع في الخليج وممراته البحرية على الأردن، كما تؤثر التطورات الأمنية والاقتصادية في الأردن في محيطه الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من التنسيق السياسي والأمني إلى إطار أكثر تكاملاً، يقوم على مسارين متوازيين كمشروع أمني إقليمي مشترك يعزز تبادل المعلومات والتنسيق في مواجهة التهديدات وحماية البنية التحتية الحيوية وطرق الملاحة، ومشروع اقتصادي استراتيجي مشترك يربط أمن الطاقة بأمن التجارة والنقل، ويبحث فرص تطوير الربط الكهربائي، وتنويع مسارات الإمداد، وتعزيز دور ميناء العقبة، وتطوير سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية.