أنتَ وكيف ترى
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
النفط يتراجع بأكثر من 1 مع تقييم مخاطر الإمداد وتطورات المنطقةتدخلُ المقهى الذي أحببتَه يوماً، فتجدُ المقاعدَ أضيقَ، والضوءَ شاحباً، وأصواتَ الجالسين عبئاً على رأسك. تجلسُ في الزاوية ذاتها التي اتّسعت لضحكتك قبل أشهر، وتتساءل عمّا أصاب المكان. بقي النادلُ على عادته، وظلّت النافذةُ تطلّ على الشجرة نفسها، وأنتَ جئتَ هذه المرّة تحملُ غيابَ مَن كان يجلسُ قبالتك. تغيّر شيءٌ في داخلك، فامتدّ أثرُه إلى الجدران والقهوة والشارع، حتى خُيّل إليك أنّ المكانَ كلّه شاركَ في خسارتك.
تحملُ العينُ إلى الأشياء تاريخَ صاحبها. يصلُ الضوءُ إلى الجميع، ثمّ يأخذُ في كلّ نفسٍ هيئةً تخصّها؛ تستقبلُه ذاكرةٌ مثقلةٌ بالخوف، أو رغبةٌ تنتظرُ وعداً، أو طمأنينةٌ تمنحُ الوجوهَ فسحةً كي تظهر. لهذا يختلفُ اثنان أمام المشهد الواحد، ويعودُ الإنسانُ إلى المشهد نفسه فيراه على نحوٍ آخر. يقعُ بعضُ الاختلاف في المعرفة، ويأتي بعضُه من الجرح الذي صارَ طريقةً في النظر.
تظهرُ من الناس أفعالٌ وأقوالٌ وإشارات، ثمّ نتولّى نحن وصلَها بما نعرفُ وبما نتوقّع. يتأخّرُ صديقٌ في الردّ، فيقرأُ أحدُنا في تأخّره انشغالاً، ويقرأُ آخرُ فتوراً، ويستعيدُ ثالثٌ خذلاناً قديماً. حدثٌ صغيرٌ يتّسعُ داخلَ النفس حتى يحملَ سيرةً كاملةً من الشكّ. عندئذٍ يصبحُ الصديقُ مطالباً بالإجابة عن تأخّره، وعن أشخاصٍ سبقوه إلى حياتنا، وعن وعودٍ انكسرت قبل أن نعرفَه.
تبدأُ القسوةُ أحياناً من هذا الخلط؛ نضعُ شخصاً حاضراً في موضعِ غائبٍ آذانا، ونستعجلُ الحكمَ كي نحمي أنفسَنا من تكرار الألم. يمنحُنا الحكمُ شعوراً عابراً بالسيطرة، ثمّ يضيّقُ قدرتَنا على الفهم. نراقبُ ما يؤيّدُ ظنّنا، ونمنحُ التفاصيلَ الموافقةَ له وزناً أكبر، حتى تغدو الصورةُ التي صنعناها أقدرَ على البقاء من صاحبها. يتغيّرُ الإنسانُ أمامنا، وتظلُّ له في أذهاننا ملامحُ قديمةٌ نحاسبُه من خلالها.
يفعلُ الحبُّ شيئاً قريباً من ذلك، وإن اختلفَ اللون. نمنحُ مَن نحبُّ أسباباً واسعةً لأخطائه، ونرى في ارتباكه رقّةً، وفي صمته عمقاً، وفي اندفاعه صدقاً. تتبدّلُ الصلةُ يوماً، فتصيرُ الصفاتُ نفسُها مادّةً للضيق. يثيرُ هذا التحوّل سؤالاً عن مقدار ما عرفناه من الإنسان، ومقدار ما أضفناه إليه من حاجتنا. كم أحببنا فيه ما كان عليه، وكم أحببنا الدورَ الذي أدّاه في أيامنا؟
تملكُ الأشياءُ وجودَها وخصائصَها، ويملكُ الناسُ أفعالَهم ومسؤوليّتَهم، وتبقى للرؤية حصّتُها في تشكيل التجربة. يوجعُ الحجرُ إذا أصابَ الجسد، ويتركُ الظلمُ أثراً يتجاوزُ تأويلَ المظلوم، ويحتاجُ الخطرُ إلى إدراكٍ يحفظُ الحياة. تتّسعُ مسؤوليّتُنا عن النظر في المسافة التي تفصلُ الواقعةَ عن الحكم عليها، حيثُ تتحوّلُ كلمةٌ عابرةٌ إلى إهانةٍ مقصودة، أو ملاحظةٌ إلى عداوة، أو اختلافٌ إلى تهديدٍ يستدعي الخصومة.
ينضجُ النظرُ عندما يستطيعُ صاحبُه أن يمسكَ بهذه المسافة. يتأمّلُ ما حدث، ويستعيدُ الكلمات، ويفحصُ ما أضافَه الغضبُ إليها. قد يجدُ إساءةً تستحقُّ موقفاً واضحاً، وقد يكتشفُ أنّ تعبَه سبقَ الفهمَ إلى النتيجة. يمنحُه هذا التمهّلُ حقَّ الاختيار؛ أن يردَّ على الفعل بحجمه، وأن يتركَ للآخر فرصةَ التفسير، وأن يحتفظَ لنفسه بقدرةٍ على المراجعة.
تتلوّنُ الحياةُ أيضاً بما ننتظرُه منها. يخرجُ الباحثُ عن العيوب وفي يده ما يكفي لعودته راضياً عن سوء ظنّه، ويخرجُ المتنبّهُ إلى الجمال فيلتقطُ من اليوم تفصيلاً يصلحُ للفرح. بينهما شارعٌ واحدٌ وأشجارٌ متعبةٌ ووجوهٌ عائدةٌ من العمل. ينتقي الانتباهُ بعضَ العالم، ثمّ تتراكمُ مختاراتُه حتى تبدو العالمَ كلَّه. هكذا قد يصنعُ الإنسانُ من عادته في الالتفات مصيراً شعوريّاً يعيشُ فيه سنوات.
تستحقُّ رؤيتُنا أن ننظرَ إليها هي أيضاً؛ أن نسألَ عن مصدر هذا النفور، وعن الذاكرة التي تحرّكُ هذا الخوف، وعن الحاجة التي جعلت شخصاً واحداً يبدو خلاصاً كاملاً. تحملُ هذه المراجعةُ قدراً من المشقّة، إذ تردُّ إلينا مسؤوليّةَ بعضِ ما نسبناه إلى الوجوه والأمكنة والأيام.
قد يعودُ صاحبُ المقهى إليه بعد زمن، فيجدُ الضوء ألينَ، ويستريحُ إلى أصوات الجالسين، ويطلبُ قهوتَه من النادل نفسه. يكونُ قد تعلّمَ أن يحملَ غيابَه بطريقةٍ أخرى. تستعيدُ النافذةُ شجرتَها، ويأخذُ المقعدُ حجمَه، ويجلسُ الإنسانُ أخيراً أمامَ ما يراه، مدركاً أنّ في الصورة شيئاً من العالم، وشيئاً منه.