اخبار الاردن

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

أي إدارة حكومية يحتاجها الأردن؟

أي إدارة حكومية يحتاجها الأردن؟

klyoum.com

تفتح تصريحات رئيس الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، الدكتور مصطفى الحمارنة، بشأن عدم التخلي عن القيم والأولويات الوطنية في سبيل الحصول على التمويل، نقاشاً يتجاوز مسألة التمويل والتدريب إلى سؤال جوهري: لماذا تنجح مؤسساتنا في إعداد الاستراتيجيات، لكنها لا تنجح دائماً في تحويلها إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية؟

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الخطط، بل في قدرة الإدارة الحكومية على تحويلها إلى إنجاز ملموس. وهنا تتجلى الفجوة بين التخطيط والتنفيذ؛ إذ لا تتعلق المشكلة بالضرورة بنقص الأفكار أو غياب الاستراتيجيات، بل بمدى وضوح المسؤوليات، وتوافر الصلاحيات والموارد، وفاعلية المساءلة على أساس النتائج لا الإجراءات.

فالخطة، مهما بلغت جودتها، لا تصنع تغييراً بذاتها، وقد تستوفي المؤسسة متطلبات التخطيط والمتابعة من دون أن تحقق الأهداف التي وُضعت من أجلها. وعندما تنفصل مسؤولية إعداد الاستراتيجية عن مسؤولية تنفيذها، تتحول الأولويات من التزامات عملية إلى وثائق لا تضمن الإنجاز.

وإذا تأكدت المعلومات المتداولة بشأن مراجعة نحو ١٤٠ استراتيجية حكومية خلال عامي ٢٠١٨ و ٢٠١٩ لم تُنفذ، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الخطط المتعثرة وحده، بل بالأسباب التي حالت دون تنفيذها: هل كانت الأهداف واقعية؟ وهل توافرت الموارد اللازمة؟ ومن امتلك صلاحية التنسيق وحسم التعارضات بين الجهات المعنية؟ والأهم، هل تحولت إخفاقات الماضي إلى معرفة مؤسسية تمنع تكرارها؟

هذه الأسئلة تكشف أن الإصلاح لا يبدأ بتشديد الرقابة وحده، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين المسؤولية والصلاحيات والموارد والمساءلة. فلا يجوز تحميل المسؤول نتائج لا يملك أدوات تحقيقها، كما لا يجوز أن تتحول القيود الإدارية وتداخل الاختصاصات إلى مبرر دائم للتعثر. المطلوب منظومة تحدد المسؤول بوضوح، وتمنحه القدرة على الإنجاز، وتحاسبه بعدالة على النتائج التي تقع ضمن نطاق مسؤوليته.

ومن هنا، يحتاج الأردن إلى الانتقال من إدارة الخطط إلى إدارة التنفيذ؛ أي التركيز على عدد محدد من الأولويات الوطنية ذات الأثر المباشر، وإسناد كل أولوية إلى جهة مسؤولة، ضمن جدول زمني واضح ومؤشرات قابلة للقياس. وينبغي أن تتجاوز المتابعة حدود التقارير والاجتماعات إلى كشف الانحرافات مبكراً، ومعالجة أسبابها، وحسم التعارضات بين المؤسسات قبل أن تتحول إلى إخفاقات مكلفة.

فليست الغاية إضافة طبقات جديدة من الرقابة، بل بناء آلية تجعل المتابعة مدخلاً إلى القرار والتصحيح، لا مناسبة لإنتاج تقرير آخر.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الحمارنة بشأن التمويل الخارجي أهمية خاصة. فالشراكات الدولية تتيح للأردن الاستفادة من الخبرات وتطوير قدرات مؤسساته، لكنها ينبغي أن تظل وسيلة لخدمة الأولويات الوطنية، لا أن تصبح عاملاً يحدد تلك الأولويات وفقاً لما يتاح من تمويل. فالاحتياجات الاقتصادية والتنموية هي التي يجب أن توجه اختيار البرامج، وليس العكس.

والانفتاح المطلوب هو انفتاح واثق يستوعب التجارب العالمية ويكيّفها مع الواقع الأردني، ويضمن بقاء المعرفة والخبرة والقدرة على الاستمرار بعد انتهاء التمويل. فقيمة المشروع لا تقاس بما ينفق عليه أو بعدد أنشطته، بل بما يتركه من أثر مستدام في أداء المؤسسات.

وينطبق المعيار ذاته على التدريب الحكومي. فتعدد الدورات والشهادات لا يعني بالضرورة تحسن الأداء ما لم ينعكس على جودة الخدمات، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الإنفاق. وهنا تبرز أهمية تطوير دور الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية لتكون بيت خبرة يربط التدريب بالمشكلات الفعلية للمؤسسات، ويقيس أثره في قدرتها على الإنجاز، بدلاً من الاكتفاء بعدد البرامج والمشاركين.

أما التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فلن يحققا الأثر المنشود إذا اقتصرا على نقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشات. فتبسيط الإجراءات وإعادة تصميم مسارات العمل ومعالجة تضارب الصلاحيات يجب أن تسبق توظيف التكنولوجيا؛ إذ لا يمكن للأدوات الحديثة أن تعالج خللاً مؤسسياً من دون تغيير طريقة العمل نفسها.

بقي ان اقول ، ان الأردن لا بحتاج إلى مزيد من الخطط بقدر ما يحتاج إلى إدارة حكومية قادرة على تنفيذ ما تقرره، وتحديد المسؤولية عن كل أولوية، وتوفير أدوات الإنجاز، وقياس الأثر، والتعلم من التعثر. إدارة تربط التخطيط بالتنفيذ، والمساءلة بالصلاحيات، والتدريب بالأداء، والتمويل بالأولويات الوطنية.

واخيراً ، فإن الدول لا تتقدم بكثرة الاستراتيجيات والمبادرات المعلنة، بل بقدرتها على تحويلها إلى نتائج ملموسة ، كما وان ثقة المواطن لا تُستعاد بالوعود أو التقارير، وإنما بخدمة أفضل، وإجراء أسرع، وفرص أكثر عدالة، وإنفاق أكثر كفاءة.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للتحديث الإداري في الأردن: حين لا تكون الخطة نهاية العمل، بل بدايته، وحين تصبح النتيجة المحققة هي المعيار الذي تُقاس به كفاءة المؤسسة ونجاح المسؤول.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار الاردن على مدار الساعة