السعودية واليمن: الحكمة أقوى من السلاح
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
محافظ الطفيلة يتفقد جاهزية الأشغال للتعامل مع الظروف الجويةليست كل الحروب التي تستطيع الدول خوضها حروباً ينبغي لها الاستمرار فيها، وليست كل انتصارات الميدان انتصارات في ميزان السياسة والتاريخ. فالدول الواثقة من قوتها ومكانتها لا تُقاس عظمتها بما تمتلكه من ترسانات عسكرية فحسب، بل بقدرتها على إدراك اللحظة التي تصبح فيها الحكمة السياسية أجدى من السلاح، ويغدو فيها السلام إنجازاً استراتيجياً يفوق نتائج المعارك.
ولعل الحرب في اليمن، بما تحمله من تعقيدات تاريخية وقبلية وسياسية وإقليمية، تقدم مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة. فبعد أكثر من أحد عشر عاماً على بدء التدخل العسكري للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015، ومع عودة التصعيد العسكري واتساع القتال على جبهات متعددة خلال عام 2026، يبرز سؤال ملح: هل يقرّب استمرار المواجهة من أمن مستدام، أم يفاقم المخاطر ويضيّق فرص التسوية؟
ولا يمكن تناول هذا السؤال بإنصاف دون التوقف عند المكانة التي تحتلها المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي وعلى الساحة الدولية. فالسعودية دولة محورية في المنطقة، تحتضن الحرمين الشريفين، وتؤدي دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وتضطلع بمسؤوليات عربية وإسلامية ودولية واسعة.
وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولات تنموية واقتصادية واجتماعية كبيرة، تجسدت في رؤية 2030 ومشروعاتها في الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والاستثمار والتعليم والبنية التحتية، إلى جانب جهود تنويع مصادر الدخل وتعزيز الشراكات الدولية. ويزيد هذا المسار من أهمية حماية الاستقرار، وتجنب ما قد يهدد المنشآت الحيوية أو يعرقل التنمية.
وهنا تكمن مفارقة تستحق التأمل. فالدولة التي تعمل على بناء مستقبل مزدهر وتعزيز موقعها مركزاً للاستثمار والتجارة والسياحة، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام نزاع طويل على حدودها الجنوبية. وقد أظهرت الهجمات التي استهدفت مدناً ومنشآت سعودية أن التهديدات الأمنية ليست افتراضية. لكن استمرار المواجهة قد يفرض بدوره كلفة أمنية واقتصادية وسياسية، ويستنزف الموارد التي يمكن توجيهها إلى التنمية.
ولفهم طبيعة هذه المعادلة، لا بد من العودة قليلاً إلى تاريخ اليمن. فاليمن ليس ساحة عسكرية تقليدية يمكن إخضاعها بمجرد السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية، بل مجتمع ضارب في أعماق التاريخ، شديد التعقيد في تركيبته الاجتماعية والقبلية وتضاريسه الجبلية. وتظهر تجارب تاريخية متعددة صعوبة فرض الاستقرار عليه بقوة السلاح الخارجي وحدها.
واجه العثمانيون مقاومة طويلة وصعوبات جسيمة في السيطرة على المرتفعات اليمنية. أما البريطانيون، الذين سيطروا على عدن منذ عام 1839 ووسعوا نفوذهم إلى أجزاء من الجنوب، فقد غادروا عام 1967. وفي ستينيات القرن الماضي، تحولت مشاركة مصر في الصراع اليمني دعماً للجمهوريين إلى حرب استنزاف طويلة، لم يكن التفوق العسكري وحده كافياً لحسمها، وانتهت بانسحاب القوات المصرية وتسويات سياسية لاحقة.
ولا يعني استحضار هذه التجارب أن التاريخ يعيد نفسه بحذافيره، أو أن ظروف الحاضر مطابقة للماضي؛ إنما يذكّر بأن جغرافية اليمن ومجتمعه وتاريخه تفرض حدوداً على ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه. فالانتصار في معركة شيء، وتحويله إلى استقرار سياسي واجتماعي دائم شيء آخر.
استند التدخل السعودي عام 2015، بحسب ما أعلنته المملكة والتحالف، إلى اعتبارات أمنية وسياسية، من أبرزها طلب الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي، ودعم الحكومة المعترف بها دولياً، ومواجهة مخاطر قيام قوة مسلحة معادية على حدود المملكة الجنوبية، لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران. وقد أكدت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية أن للمملكة مخاوف أمنية فعلية وحقاً في حماية سيادتها ومواطنيها ومصالحها الحيوية.
غير أن مشروعية هذه المخاوف لا تعني بالضرورة أن استمرار العمليات العسكرية هو الوسيلة الأقدر على معالجتها. فقد أصبح النزاع متعدد الأطراف، وتداخلت فيه الانقسامات اليمنية مع التنافس الإقليمي، وتعذر الوصول إلى حسم عسكري يحقق استقراراً دائماً. وتشير التطورات الأخيرة إلى عودة المواجهة واتساعها، مع تصاعد الهجمات والردود العسكرية على جانبي الحدود، بما يرفع مخاطر انزلاق المنطقة إلى جولة أوسع من التصعيد. ويؤكد ذلك أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، وأن الحاجة إلى خفض التوتر واستئناف المسار السياسي باتت أكثر إلحاحاً.
وهنا تبرز طبيعة الحرب غير المتكافئة. فالسعودية دولة ذات مؤسسات واقتصاد كبير ومشروعات تنموية والتزامات دولية واسعة، بينما يستطيع الحوثيون، بوصفهم حركة مسلحة تسيطر على مناطق واسعة من اليمن، توظيف قدرتهم على الصمود وإطالة أمد المواجهة لتعزيز موقعهم السياسي والتفاوضي، حتى من دون تحقيق انتصار عسكري تقليدي.
ولا يعني ذلك أن الحوثيين لا يتكبدون خسائر، أو أن الشعب اليمني لا يدفع الثمن الأكبر؛ فالمأساة الإنسانية تشهد على فداحة الكلفة. لكن استمرار المواجهة قد يمنح الحركة المسلحة ورقة سياسية، في حين لا يمكن لدولة بحجم السعودية أن تقيس نجاحها بمجرد الصمود أو إلحاق الضرر بالخصم، بل بمدى تحقق أمن مستدام يقلل التهديدات ويهيئ للاستقرار.
وتثير الحروب الطويلة أيضاً أسئلة مشروعة عن المصالح التي تتكون حولها. فقد ترتبط أطراف خارجية بعلاقات أمنية أو عسكرية مع أطراف النزاع، وقد تنشأ عن ذلك أوجه اعتماد ونفوذ. لكن وجود هذه المصالح أو الاعتمادات لا يثبت أن جهة بعينها تعمل على إطالة الحرب أو أنها تتعمد إبقاء المخاطر قائمة. وأي ادعاء من هذا النوع يحتاج إلى أدلة محددة؛ لذلك ينبغي أن ينصب النقاش على وقائع العلاقات الدفاعية وأثرها الفعلي في خيارات الدول، لا على افتراض وجود تنسيق أو خطة لإدامة النزاع.
ومن هذا المنطلق، يجدر بحث كيفية تحقيق التعاون الدفاعي توازناً يحمي أمن الدول ويحافظ على استقلال قرارها، من دون تحويل الاعتماد على السلاح أو الخدمات التقنية إلى قيد سياسي. فالتحالفات قد تعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها، لكن تقييم أثرها ينبغي أن يستند إلى أمثلة موثقة، لا إلى افتراضات عامة عن نوايا الشركاء.
أما إيران، فإن استمرار التوتر على الحدود السعودية قد يمنحها ورقة ضغط إقليمية يمكن توظيفها في علاقاتها مع الرياض والقوى الدولية. ومع ذلك، فإن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية يتجاهل جذورهم اليمنية وحساباتهم الذاتية، مثلما أن إنكار علاقاتهم السياسية والعسكرية بطهران يحجب جانباً مهماً من حقيقة الصراع. ومن الأدق فهم العلاقة بوصفها تداخلاً بين دعم وعلاقات إقليمية من جهة، ودوافع وحسابات يمنية محلية من جهة أخرى.
وهكذا تتقاطع في الحرب مصالح وحسابات متعددة. فالسعودية تواجه مخاطر أمنية واقتصادية، والحوثيون يسعون إلى تعزيز موقعهم السياسي، وإيران تستطيع توظيف النزاع ضمن حساباتها الإقليمية، فيما ترتبط أطراف دولية مختلفة بعلاقات ومصالح أمنية أو سياسية في المنطقة. غير أن تقاطع المصالح لا يثبت وجود تنسيق بينها أو أن أياً منها يتعمد إدامة الحرب؛ لكنه يبرز أهمية تحليل أثر هذه المصالح في فرص التسوية وفي خيارات الأطراف.
وفي خضم هذه الحسابات، يبقى الشعب اليمني في صدارة من يتحملون كلفة الحرب. فقد أنهك النزاع الاقتصاد والمؤسسات، وألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، ودفع الملايين إلى الفقر والنزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية. ووفق خطة الأمم المتحدة للاحتياجات الإنسانية والاستجابة لعام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص في اليمن إلى المساعدة الإنسانية والحماية، فيما يواجه 18.3 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. وتتباين مسؤوليات الأطراف عن الأفعال التي أسهمت في هذه الأزمة، ولا يصح افتراض تساويها من دون تقييم الوقائع والأدلة المتعلقة بكل طرف.
ولذلك ينبغي لأي تسوية جادة أن تجعل حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني في صلبها، وأن تعالج الأسباب السياسية والاقتصادية والأمنية التي أبقت اليمن في دوامة الصراع، مع مساءلة الانتهاكات المثبتة أياً كان مرتكبوها.
ولا يكمن المخرج في انسحاب سعودي مفاجئ يترك الحدود عرضة للتهديد، كما لا يبدو أن استمرار المواجهة العسكرية وحده قادر على فرض استقرار دائم أو تسوية مقبولة. فبحكم الجوار، سيظل استقرار اليمن مؤثراً مباشرة في أمن المملكة. والمطلوب انتقال مدروس من المواجهة إلى تسوية سياسية، بحيث لا يعني إنهاء العمليات أو خفضها التخلي عن حماية الحدود، بل يجري ضمن ترتيبات أمنية واضحة ومتبادلة وقابلة للتحقق.
وينبغي أن تتضمن هذه الترتيبات وقفاً متبادلاً للعمليات العسكرية، وآليات للتحقق من الالتزام، وضمانات لأمن الحدود السعودية، والتزاماً بمنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد دول الجوار أو الملاحة الدولية. كما تحتاج إلى عملية سياسية يمنية واسعة تشارك فيها جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوى الجنوبية وسائر المكونات السياسية والاجتماعية المؤثرة، على نحو يعكس تعدد القوى والمصالح داخل اليمن.
كما ينبغي أن تقترن التسوية بخطوات اقتصادية وإنسانية عاجلة، واستعادة الخدمات الأساسية، ودعم المؤسسات، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار. وتستطيع السعودية، بما لديها من إمكانات مالية وعلاقات إقليمية ودولية، أن تؤدي دوراً مهماً في دعم هذه الجهود. وقد تكون للاستثمار في الاستقرار والتنمية عوائد أمنية وسياسية أبعد مدى من استمرار العمليات العسكرية.
ومن الحكمة ألا تتحول الحاجة المشروعة إلى الأمن، لدى السعودية أو غيرها، إلى عامل يحد من استقلال القرار الوطني. فالتحالفات والتعاون العسكري قد يكونان ضروريين، لكن قيمتهما الحقيقية تكمن في تعزيز قدرة الدولة على حماية مصالحها واتخاذ قراراتها، لا في تكريس اعتماد لا يخضع للمراجعة أو التقييم.
إن المملكة العربية السعودية، بما لها من مكانة عربية وإسلامية ودولية، وبما تبذله من جهود لبناء مستقبل مزدهر، تمتلك من أسباب القوة والتأثير ما يؤهلها للإسهام في صناعة سلام يحفظ أمنها ويتيح لليمنيين بناء دولتهم ومستقبلهم. كما أن الحوثيين وسائر الأطراف اليمنية مدعوون إلى إدراك أن بناء الدولة واستعادة الحياة الطبيعية أكثر قيمة من استمرار الصراع على السلطة والنفوذ.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس من يستطيع الصمود مدة أطول أو إلحاق الضرر الأكبر بالآخر، بل كيف يمكن تحويل المخاوف الأمنية والوقائع السياسية إلى تسوية قابلة للاستمرار، ومن يمتلك الحكمة والشجاعة السياسية للبدء بذلك.
فليس كافياً أن تعلن الأطراف حرصها على أمن المنطقة أو رغبتها في السلام؛ المعيار هو ما تقدمه من خطوات عملية تقلل المخاطر وتفتح المجال أمام تسوية سياسية. وعلى الدول أن تميز بين التعاون الذي يعزز الأمن فعلاً، والعلاقات التي قد تنشأ عنها أوجه اعتماد أو نفوذ، وأن تبني أحكامها على الوقائع والأدلة.
ولعل أعظم ما يمكن أن تحققه السعودية في اليمن ليس أن تنتصر عليه، بل أن تنتصر معه على الحرب، وأن يتحول جوار البلدين من ساحة للاستنزاف والتدخلات إلى فضاء للأمن والتعاون والازدهار.