أبو عرابي حمل العلم رسالة والوطن في قلبه
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
اقتحامات المسجد الأقصى .. أحداث الداخل الفلسطيني عنف وتهويد!هناك شخصيات لا تُعرَّف بمناصبها، بل بما تتركه من أثر. شخصيات تتقدمها سيرتها قبل ألقابها، ويظل حضورها حياً في ذاكرة من عرفها وتعامل معها. ومن هذه القامات الأستاذ الدكتور سلطان أبو عرابي العدوان، الذي استطاع أن يصنع نموذجاً متفرداً للعالم والإداري والإنسان، وأن يثبت أن القيادة الحقيقية تبدأ بالأخلاق قبل القرارات.
حين تلتقيه للمرة الأولى، لا يستوقفك بريق المنصب بقدر ما يشدك هدوؤه واتزانه وتواضعه. يتحدث بلغة العالم الواثق، ويستمع بإنصات الإنسان الذي يدرك أن الحوار قيمة قبل أن يكون وسيلة. لا يعرف المبالغة، ولا يبحث عن الأضواء، بل يترك لإنجازاته أن تتحدث عنه.
بدأت رحلته من قرية أم الدنانير، حيث تشكلت شخصيته على قيم العمل والاعتماد على النفس والانتماء للوطن. ومن تلك البيئة البسيطة حمل حلمه الكبير، فالتحق بالجامعة الأردنية لدراسة الكيمياء، قبل أن يواصل مسيرته العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الكيمياء العضوية، ليعود إلى الأردن مؤمناً بأن العلم لا تكتمل رسالته إلا إذا تحول إلى مشروع لبناء الإنسان.
لم يكتف الدكتور سلطان بالتميز الأكاديمي، بل انتقل إلى فضاء الإدارة الجامعية، فقاد عدداً من الجامعات الأردنية، واضعاً بصمته في كل موقع شغله. كان ينظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة لصناعة المستقبل، لا مجرد مكان لمنح الشهادات، ولذلك ارتبط اسمه بالتطوير، وتعزيز الجودة، والانفتاح على التجارب العالمية، وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي.
وعندما تولى قيادة اتحاد الجامعات العربية، اتسع نطاق عطائه ليشمل الجامعات العربية كافة. عمل بصمت، ونسج شبكة واسعة من الشراكات الأكاديمية، ودافع عن حضور الجامعة العربية في المحافل الدولية، مؤمناً بأن مستقبل التعليم العالي العربي لا يُبنى إلا بالتعاون وتبادل الخبرات وإنتاج المعرفة.
ورغم ما حققه من نجاحات، بقي وفياً لجوهره الإنساني. لم تغيره المناصب، ولم تستهويه الألقاب، بل ظل قريباً من الناس، يحترم الجميع، ويؤمن بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للآخرين، لا بما يعلقه على باب مكتبه.
وعلى المستوى الأسري، ظل يرى أن النجاح الحقيقي يبدأ من البيت، وأن تربية الأبناء على العلم والقيم هي الإنجاز الذي يفوق كل المناصب والجوائز، فكان نموذجاً في التوازن بين مسؤولياته المهنية وحياته الأسرية.
عرف بنبله ، وخلقه ، ومعرفتي به كصحفيّ تمتد لسنوات طويلة، منذ أن كان عميداً لشؤون الطلبة في جامعة اليرموك، ثم رئيساً لـجامعة إربد الأهلية، فرئيساً لـجامعة الطفيلة التقنية، ورئيساً لـالجمعية الكيميائية الأردنية، وصولاً إلى قيادته اتحاد الجامعات العربية. وخلال هذه المسيرة، لم أره إلا ثابتاً على مبادئه، مؤمناً برسالته، حريصاً على أن يبقى الإنسان قبل المسؤول.
لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وإيمان عميق بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة. ولهذا، فإن الحديث عنه لا يقتصر على استعراض المناصب التي تقلدها، وإنما يتجاوز ذلك إلى الحديث عن مدرسة في القيادة الأكاديمية، تجمع بين الكفاءة، والحكمة، والنزاهة، والتواضع.
إن الدكتور سلطان أبو عرابي العدوان يمثل نموذجاً مضيئاً في مسيرة التعليم العالي الأردني والعربي، ويؤكد أن الانطلاق من قرية صغيرة لا يحد من اتساع الحلم، وأن الإخلاص للعلم، والوفاء للوطن، والتمسك بالقيم، كفيل بأن يصنع من الإنسان سيرة تستحق أن تُروى، وتجربة تستحق أن تُحتذى.
وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة الأكاديميين وطلابه وزملائه، ليس لأنه شغل مواقع رفيعة، وإنما لأنه ترك وراءه ما هو أبقى من المناصب؛ ترك أثراً طيباً، ومؤسسات أقوى، وأجيالاً تعلمت أن القيادة الحقيقية تُمارس بالفعل قبل القول، وبالتواضع قبل السلطة، وبالعطاء قبل التكريم.