اخبار الاردن

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

لبن وزيت… وزيت ولبن!

لبن وزيت… وزيت ولبن!

klyoum.com

حين تتحوّل النخبة السياسية إلى خبراء في تدوير الكلام، وقلب المواقف، وتسويق الخلطة نفسها في كل موسم

ثمة من يظنّ أن ارتداء قناع النخبة يكفي ليصبح صاحب رؤية، وأن الإكثار من المصطلحات الرنّانة يعوّض فقر الفكرة، وأن الوقوف على المنابر يمنح الكلام قيمةً لا يملكها في الواقع. وهكذا، يصبح المشهد السياسي أشبه بمطبخ عبثي، تتبدّل فيه الأوعية، وتتغيّر فيه الأيدي، ويُعاد خلط المكوّنات ذاتها، فيما يُقدَّم الطبق كل مرة باعتباره اكتشافًا تاريخيًا وفتحًا سياسيًا غير مسبوق.

لبن وزيت… وزيت ولبن!

تأمّلوا المشهد: موقفٌ يُعلَن صباحًا، ونقيضه يُسوَّق مساءً؛ شعارٌ يُرفع حين تقتضيه المصلحة، وشعارٌ آخر يُدفن حين يصبح عبئًا؛ خصومةٌ تُباع للجمهور بوصفها معركة مبادئ، ثم تنقلب إلى تفاهمٍ مفاجئ حين تتقاطع المصالح. أما التبرير، فجاهز دائمًا، والقاموس السياسي واسع بما يكفي لتسمية التراجع مراجعةً، والانقلاب على الموقف مرونةً، والصمت حكمةً، والعجز واقعيةً سياسية!

والمفارقة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتغيير المواقف، بل يريدون من الجمهور أن يصفّق لهم على براعة التغيير، وأن يتعامل مع تناقضاتهم باعتبارها دليلًا على الحنكة، لا مادةً للسؤال والمساءلة. فهم لا يكتفون بتدوير الخطاب؛ إنهم يعيدون تدوير أنفسهم أيضًا، بالأسماء ذاتها، والوجوه ذاتها، والوعود ذاتها، ثم يخرجون علينا في كل موسم بعباءة جديدة، معلنين أنهم يمثلون البديل والتجديد!

أيُّ تجديد هذا الذي لا يغيّر سوى اللافتة؟ وأيُّ نخبويّة هذه التي تتعامل مع الذاكرة العامة باعتبارها قصيرة، ومع وعي الناس باعتباره تفصيلًا يمكن تجاوزه بخطاب منمّق وصورة محسوبة؟ وأيُّ مشروع سياسي هذا الذي لا نرى من ملامحه إلا براعة أصحابه في البقاء داخل المشهد، مهما تبدّلت اتجاهات الريح؟

ليست المشكلة في أن يراجع السياسي موقفه؛ فالمراجعة فضيلة حين تقوم على الوقائع والاعتراف بالأخطاء. وليست المشكلة في أن تتبدّل التحالفات؛ فالسياسة مجال للمصالح والتسويات. المشكلة تبدأ حين يصبح التناقض بلا تفسير، والتراجع بلا اعتراف، والخطأ بلا محاسبة، وحين يُطلب من الناس أن ينسوا ما قيل بالأمس، كي يصدّقوا ما يُقال اليوم، ثم يستعدوا لتصديق نقيضه غدًا.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار الاردن على مدار الساعة