اخبار الاردن

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

عِنْدَمَا يَطْرُقُ الشِّتَاءُ بَابَ الرُّوحِ

عِنْدَمَا يَطْرُقُ الشِّتَاءُ بَابَ الرُّوحِ

klyoum.com

كانت أولى قطرات المطر تسقطُ حالمةً على زجاج النافذة، تُحدث صوتاً خفيفآ يشبه همس المشتاقين. أزحتُ الستار المنسدل بخفة، فلثم وجهي نسيمٌ باردٌ يحمل في طياته رائحة الأرض المشتاقة، تلك الرائحة التي تشبه أول العهد بالبدايات الجديدة.

في الشتاء، لا يتغير الطقس فحسب، بل تبدو الدنيا كأنها تدخل في حالة من الصمت الشفيف، حيث تخلع الطبيعة صخب الصيف وجفاف الخريف، لترتدي رداءها الأبيض الرقيق، وتستسلم لنومٍ دافئ تهمس فيه السماء للأرض بأجمل أسرارها.

في هدوء الليل وسحر المطر

ليس الشتاء مجرد فصلٍ بين أربعة، بل هو حالةٌ شعورية تُعيد تشكيل المكان والزمان. في ليل الشتاء الطويل، يتسع الوقتُ للأحلام؛ يجلس المرء بجوار النافذة، وفي يده كوبٌ دافئ يتصاعد منه البخار في حلقاتٍ متراقصة، وكأنها ترسم على الهواء ذكرياتٍ مضت وأمانيَّ لم تُولد بعد.

تتساقط القطراتُ على الأسطح والطرقات، عزفاً متناغماً يملأ الكون سكينة. إنها طقوس المطر التي تجعل من البيت ملاذاً ومن الغرفة الصغيرة عالماً كاملاً من الدفء والاطمئنان. هناك، حيث تطقطق مدافئ الحطب، أو تنبعث حرارةٌ هادئة تطرد البرد عن الأطراف، تشعر بامتنانٍ عميق للحظات البسيطة التي تمنحنا إياها الحياة.

المطرُ هو رسالةُ السماءِ الحنونة، يُخبرنا أن السحبَ العابرة المحملة بالثقل، لا بدّ أن تُفرغ ما فيها ليخضرّ العالمُ من جديد."

في كل قطرة مطر سيرة حكاية، وفي كل هبة ريح قصيدة لم تُكتب بعد. يجتمع الأحبة حول أقباس الدفء، تتردد أصداء الضحكات، وتطول الأحاديث التي لا تكتمل في النهارات القليلة الشاحبة. يبدو الشتاء كأنه يجمع الشتات، يقرّب المسافات بين القلوب، ويجعل من كلمة "دفء" معنىً يتجاوز حرارة الأجسام ليمسّ أعماق الروح.

وحين تهُبّ عواصفُ الليل، وتضرب قطراتُ المطر النافذة بشدة، لا نشعر بالخوف، بل تزداد قيمة السقف الذي يظلنا، والأغطية التي تلفنا، فنحمد الله على النعم الظاهرة والباطنة، ونرسل مع دعوات المطر أمنياتٍ صادقة لكل روحٍ تتألم، ولكل غريبٍ يبتغي المأوى.

ومع كل صباح جديد تبدأ ولادة متجددة

ومع بزوغ الفجر الشتويّ الهادئ، يخرج الضبابُ ليلتفّ حول الأشجار والدروب كغيمةٍ بيضاء تُغطي معالم المدينة. يستيقظ العالمُ بطيئاً، متهادياً، وكأن كل شيءٍ يتعلم كيف يبدأ من جديد بصفاء ونقاء.

إن جمال الشتاء يكمن في هذا التناقض الساحر: قسوةٌ في البرد الخارجي، توازيها رقةٌ ودفءٌ داخل القلوب والبيوت. هو فصلُ التأمل، وإعادة ترتيب الأوراق، والعودة إلى الذات. الشتاء يُعلمنا أن بعد كل صمتٍ طويل إزهاراً، وأن المطر الذي يبدو بارداً هو وحده من يحيي العظام وهي رميم.

وهكذا، حينما يطرق الشتاء باب الروح، لا يأتي ليبرد أجسادنا، بل ليدفىء قلوبنا بنعمة الإحساس والتأمل.

إن التذكير السنوي الصامت بأن بعد كل جفاف غيثا، ووراء كل صمت لحنا، وأن الدفء الحقيقي لا يصنع بمدافئ الحطب وحدها، بل بمشاعرنا الصادقة، وترابطنا، وبفلك الأمنيات البيضاء التي نرسلها مع كل قطرة مطر صاعدة نحو السماء.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار الاردن على مدار الساعة