صدمة الأيام الخمسة: حين تراجع منطق النار أمام رعب الانفجار الكبير #عاجل
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
كومبيوتر أوبتا العملاق يكشف اسم المرشح للفوز بالدوري الروسي الممتازصدمة الأيام الخمسة: حين تراجع منطق النار أمام رعب الانفجار الكبير #عاجل
كتب - زياد فرحان المجالي
لم يكن الخبر عاديًا، ولم يكن مجرد تعديل تقني في جدول العمليات العسكرية. حين أعلن دونالد ترامب تأجيل الضربات على محطات الطاقة والبنية التحتية الكهربائية الإيرانية لمدة خمسة أيام، بعد ساعات فقط من أجواء إنذار حاد ومهلة ضيقة، بدا المشهد وكأن المنطقة كلها انتقلت فجأة من حافة الهاوية إلى حافة أخرى أقل ضجيجًا لكنها أكثر غموضًا. المفاجأة لم تكن في التأجيل وحده، بل في اللغة التي رافقته: "محادثات جيدة ومثمرة للغاية” مع إيران، وهدف معلن هو الوصول إلى "حل شامل وكامل” للأعمال العدائية. في المقابل، خرجت رواية إيرانية عبر وكالة فارس تنفي أصلًا وجود مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع ترامب. وبين الروايتين، وُلدت الصدمة السياسية الحقيقية.
هذه الصدمة لا تعني فقط أن الخطاب تبدّل، بل تعني أن الحرب نفسها كشفت حدود القوة وحدود التهديد. فالذي حصل أن واشنطن رفعت السقف سريعًا إلى مستوى استهداف الطاقة، ثم اكتشفت أن هذا السقف ليس مجرد خطوة عسكرية إضافية، بل باب واسع لحرب قد تخرج عن السيطرة. فاستهداف شبكة الطاقة الإيرانية لم يعد يُقرأ كضربة موضعية، لأن طهران ردّت بوضوح بأنها ستتعامل معه بمنطق المثل بالمثل، ملوحة باستهداف منشآت كهرباء وطاقة مرتبطة بإسرائيل وبالوجود الأميركي في المنطقة، ومهددة كذلك بإغلاق مضيق هرمز إذا مضت واشنطن في تهديدها. هنا لم يعد السؤال: هل تستطيع أميركا أن تضرب؟ بل: هل تستطيع أن تتحمل ما بعد الضربة؟
من هذه الزاوية، يصبح تأجيل الأيام الخمسة اعترافًا غير مباشر بأن الحرب وصلت إلى لحظة خطرة: لا أحد يريد أن يبدو متراجعًا، لكن الجميع بدأ يخشى كلفة الخطوة التالية. ترامب لا يريد أن يظهر كمن تراجع تحت الضغط، لذلك قدّم التأجيل باعتباره نتيجة محادثات "مثمرة”. وإيران لا تريد أن تبدو كمن جلس إلى الطاولة تحت التهديد، لذلك سارعت إلى نفي صورة التفاوض التي عرضها ترامب. لهذا فإن التناقض بين الروايتين ليس تفصيلًا جانبيًا، بل هو جزء من المعركة نفسها: معركة السردية. كل طرف يريد أن يقول لجمهوره إنه لم ينكسر، وإن ما يجري ليس تنازلًا بل إدارة قوة. ولهذا تحديدًا يبدو مرجحًا أن قنواتٍ ما موجودة فعلًا، لكن إعلانها الصريح ما زال مكلفًا سياسيًا على الجانبين.
غير أن العنصر الأكثر حساسية في هذه المفاجأة هو أن القرار الأميركي لم يأتِ في فراغ. المنطقة كلها كانت تقرأ ما بعد ضربة الطاقة لا ما قبلها. دول الخليج، التي تعيش على تماس مباشر مع معادلة النفط والمياه والملاحة والقواعد، لم تكن تنظر إلى التهديد الأميركي ضد إيران بوصفه خبرًا بعيدًا، بل بوصفه خطرًا على حياتها اليومية وأمنها الاقتصادي والمائي. فحين تصبح منشآت الكهرباء والتحلية والممرات البحرية جزءًا من بنك الأهداف المحتمل، فإن المسألة لم تعد صراعًا بين واشنطن وطهران فقط، بل أزمة وجودية لدول الجوار. ولهذا فإن كثيرًا من المؤشرات يوحي بأن ضغطًا خليجيًا، معلنًا أو غير معلن، كان حاضرًا في لحظة إعادة الحساب الأميركية، لأن المنطقة فهمت سريعًا أن حرب الطاقة لا تصيب إيران وحدها، بل قد تحرق الجميع.
ثم جاءت الأسواق لتكشف ما عجزت السياسة عن قوله بصراحة. فمجرد إعلان ترامب التأجيل أدى إلى هبوط حاد في أسعار النفط وارتفاع واضح في الأسهم العالمية وتراجع في الدولار، وكأن العالم كله تنفس لدقائق بعد أن كان يستعد لصدمة أوسع. هذه الاستجابة السريعة لم تكن مجرد حركة مضاربة مالية، بل رسالة عميقة: المستثمرون، والدول، وشركات الطاقة، والجميع تقريبًا، قرأوا القرار باعتباره ابتعادًا مؤقتًا عن السيناريو الأسوأ. لكن الأهم أن هذا الارتياح كان مؤقتًا بدوره، لأن الأسواق التقطت التهدئة، ولم تلتقط بعدُ اتفاقًا حقيقيًا. ما زال كل شيء معلقًا على ما إذا كانت هذه الأيام الخمسة ستنتج شيئًا أكثر من مجرد استراحة قصيرة.
في قلب هذه المفاجأة تقف إسرائيل كعامل لا يمكن تجاهله. فبينما تبدو واشنطن، تحت ضغط الكلفة والأسواق والحلفاء، أكثر ميلًا إلى تبريد المشهد ولو مؤقتًا، فإن الحساب الإسرائيلي ليس بالضرورة هو نفسه. خلال الأسابيع الأخيرة، أظهر السلوك الإسرائيلي ميلًا واضحًا إلى توسيع هامش الفعل ورفع السقف الميداني، ما يجعل أي نافذة تفاوضية بين أميركا وإيران قابلة للاهتزاز إذا شعرت تل أبيب أن التهدئة تمنح طهران وقتًا أو تقلّص هامش الضغط العسكري. هنا تكمن إحدى أخطر مفارقات اللحظة: أميركا تريد أن تستخدم التهديد للوصول إلى تفاوض، بينما قد ترى إسرائيل أن التفاوض يبدد ثمار التهديد. وهذا وحده يكفي لجعل الأيام الخمسة المقبلة شديدة الحساسية.
لكن ما القضية الأميركية الحقيقية التي يمكن أن يُبنى عليها هذا المسار؟ حتى الآن، لا توجد معطيات علنية حاسمة تقول إننا أمام صفقة شاملة جاهزة تشمل النووي والصواريخ والسلوك الإقليمي دفعة واحدة. الأكثر واقعية أن المدخل الحالي أضيق بكثير: خفض التصعيد في ملف الطاقة، منع الانزلاق الكامل في هرمز، وشراء وقت سياسي يسمح لكل طرف بإعادة التموضع. أما الحديث عن "حل شامل وكامل” فربما يكون، في هذه المرحلة، عنوانًا سياسيًا أكبر من الوقائع الفعلية. فالتسويات الكبرى لا تولد من منشور مفاجئ، ولا تُنجز في خمسة أيام، خصوصًا في صراع بهذا العمق التاريخي والأيديولوجي و
لهذا كله، فإن الحدث ليس مجرد خبر عاجل، بل لحظة تأسيسية جديدة في الحرب. لقد سقط وهم الحسم السريع، وظهر أن منطق النار نفسه بدأ يصطدم بخوف جماعي من الانفجار الكبير. إيران لم تطمئن، وأميركا لم تنتصر، وإسرائيل لم تحسم، والخليج لم يعد يقبل أن يكون مجرد ساحة ارتداد للصراع. وما بين هذا كله، وُلدت الأيام الخمسة بوصفها مهلة للرعب بقدر ما هي مهلة للتفاوض. فإذا نجحت، قد تفتح مسارًا جديدًا عنوانه خفض التصعيد تحت الضغط. وإذا فشلت، فستعود المنطقة إلى النار، لكن على مستوى أخطر من السابق، لأن الجميع سيكون قد تعلّم خلال هذه الأزمة أن ضربة واحدة في الكهرباء أو الطاقة أو هرمز قد تغيّر شكل الحرب كلها، وربما شكل الإقليم نفسه.