اخبار الاردن

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

للحقيقة والتاريخ ..

للحقيقة والتاريخ ..

klyoum.com

*الأنظمة الصحية في دول العالم... لماذا تتراجع بعد التقدم ؟!

للاجابة على هذا السؤال العنوان وفي جولة مختارة على بعض دول العالم رأيت أن أواكب معكم نشوء بعض الانظمة الصحية في القرنين الاخيرين، خارجة من رحم أنظمة سابقة عليها بعد أن صقلتها يد التطوير وعززتها الدراسات العلمية المستجدة بهدي من ((حق الإنسان في الصحة)).. ولعل من أهم تلك الأنظمة ما قامت به النقابات العمالية في بعض دول أوروبية قادرة ماليا وعلميا، وذات بنية تحتية كفؤة قوية كالاسكندنافية بين الحربيين العالميتين الأولى والثانية وقد هزتها ارتدادات الأزمة الاقتصادية العالمية (1928) وكادت تودي بها، فاضطرت للجوء الى أنواع مختلفة من الضمان الاجتماعي وبينها الكينزية (نسبة للعالم الاسكتلندي كينيز الذي وصف يومنذ بمنقذ الرأسمالية من الهاوية وابتدعت لنفسها انماطاً مختلفة من التأمين الصحي المتفاوت بالاجور وطريقة الخدمات لكي لا تغضب القطاع الخاص في اقتصاد السوق الحر!

ولم تكد تلك الانظمة تستقر قليلا حتى داهمتها الحرب العالمية الثانية فزعزعت قواعدها مرة أخرى وتركتها غير قادرة على أن تنافس تأميم الطب ومجانية خدماته في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية التي رغم شح مواردها اصبحت شعوبها وحدها تنعم لأول مرة في التاريخ ((بحق الصحة الذي تكفله الدولة كاملاً ولا ننسى بالطبع تحولاً أوروبيا آخر في 1948 هز العالم دهشة وإعجاباً بتأميم الطلب في بريطانيا وهي إحدى قلاع الرأسمالية لكن الذي فاز بالحكم فيها بالانتخابات النيابية وقت ذاك فهو حزب العمال البريطاني وكان يعتنق نوعا من الاشتراكية ويقود الصحة فيه الزعيم النقابي بيفان ذلك قبل أن يضل بالحزب واشتراكيته بعد عقود زعيم لاحق هو توني بلير الذي خان ايضا مبادئه السياسية في الأمم المتحدة متواطناً مع رئيس الولايات المتحدة جورش بوش الابن وطعن العرب في ظهورهم في اهم قضاياهم ومازال يتاجر حتى بمأساة غزة وكأنه صاحب مكتب عقاري!

وفي محطة مبكرة من هذه المتابعة التاريخية كنا طلاباً في مصر حين بدأ الغماسنا السياسي مع دراسة الطب وصحة المجتمع منتصف القرن الماضي، فقد وجدنا أنفسنا مشاركين في حياة تضج بالحيوية والنشاط والتجاوب مع أمال الجماهير المتعطشة للحرية وتحسين مستوى العيش بالترافق مع تحقيق حلم طه حسين في مجانية التعليم ليصبح كالماء والهواء فعلًا لا مجرد شعار، والبدء بنشر الخدمات الصحية بعدالة بين ملايين المصريين الذين لم يحظوا بها من قبل قط كما كانت تتسابق على عقولنا وقلوبنا الاقلام الثورية في الصحف المصرية من مثل إحسان عبد القدوس واحمد بهاء الدين وخالد محمد خالد وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ ويوسف ادريس ومحمود امين العالم مبشرة بعصر من الازدهار جديد، بعد تأميم قناة السويس وبدء بناء السد العالي، ولعلي بتأثير من ذلك أتذكر أن أول بحث عن ((التأمين الصحي)) نشرته لي مجلة ((السماعة)) في نقابة الاطباء الاردنيين في ستينات القرن الماضي كان يحتوي على تجربة مصرية رائدة في عهد عبد الناصر جرى تطبيقها في ((محافظة الاسكندرية تمهيداً لتعميمها على باقي محافظات الجمهورية...

وفي النصف الآخر من الكرة الأرضية مضى وقت طويل قبل ان تتحرك القوى العاقلة تضامنًا مع النقابات العمالية في كندا وما يشبه ذلك في استراليا ونيوزيلندا، لتفلت من الهيمنة الأميركية ومن قيود النظام الرأسمالي وأدواته الكبرى كالبنوك التي ليس بين اهدافها ما يمث بصلة للصحة والرحمة وتخفيف الالم والمعاناة الإنسانية، لتنشئ تأمينها الصحي السخي الذي لم يجد أعداؤه ما يعترضون عليه سوى ادعاء بالإشفاق على المرضى من قوائم الانتظار الطويلة، وهي مشكلة ادارية بحتة لها حلول سهلة غير الفساد والمحسوبية أو حرمان الفقراء بحجتها من حق الحصول على الخدمات الصحية !.

أما المحطة الكبرى التي أعتبرها بكل ثقة وإيمان الفرصة الحقيقة للبشرية في عصرنا الراهن فقد شهدنا اطلالتها مع بزوغ فجر ميثاق الأمم المتحدة عام 1946 وتأكيد الحق في الصحة بأنشاء منظمة الصحة العالمية عام 1948 لوضع مبادئ للرعاية الصحية تصلح لكل الشعوب ويمكن تطبيقها بأقل التكاليف الممكنة وبأبسط الوسائل المتوفرة، وقد توجت هذه المنظمة جهودها عام 1978 بعقد اجتماع لمجلس الصحة العالمية ضم في عضويته وزراء الصحة المسؤولين قانوناً عن جميع الشؤون الصحية في حكومات العالم وذلك في ألمااتا عاصمة كازاخستان في الاتحاد السوفيتي وجرى التوقيع على تلك الوثيقة التاريخية وبدأ السباق لتحقيق شعارها الاكبر (الصحة) للجميع بحلول عام (2000). وكان الأمل يحدو العديد من الدول ومن بينها بلدنا الفقير الذي كان قد حقق في العقود القليلة السابقة نجاحات رائعة في مجالات الرعاية الاولية مثل القضاء على وباء الملاريا المتوطن أوائل سبعينات القرن الماضي، والجدري اسوة بكل شعوب الأرض 1978..

وهنا تتذكر أيضاً الدور الباسل الذي قامت به فرق التقصي الوبائي التي وجدناها جاهزة على أوهبت الاستعداد أثناء وباء الكورونا 2021، ومثل مكافحة امراض الطفولة القاتلة كالجدري والحصبة وشلل الاطفال والدفتيريا (الخانوق) في برنامج وطني للمطاعيم مستمر لا يتوقف حتى قارب بعضها الاختفاء، ومثل حصول التلاميذ في الصحة المدرسية على النظارات الطبية مجانا، وبإنشاء أول مركز وطني للسمعيات حصل المحتاجون منهم على معينات سمعية شبه مجانية.

أما المحطة الأخيرة التي لاحت فيها الفرصة كي نقدم للعالم خلاصة التجربة الأردنية حين جرى انتخابي عام 1986 مندوباً عن إقليم شرق البحر المتوسط كرئيس لمجلس الصحة العالمية في جنيف للعمل في صفوف المنظمة الدولية، كما تعلمت الكثير منها ومن مختلف دول العالم فيها.. وكان قبل ذلك قد بدأ الحماس عندنا في بناء المراكز الأولية، ومن ثم استكمالها لخدمة نظام تحويل المرضى بانشاء المراكز الثانوية (الشاملة) المرتبطة بالمستشفيات في سلاسل متكاملة محكمة يضبطها التعاون المخلص.. إلى أن فرضت في ديارنا بقانون مؤقت المؤسسة الطبية العلاجية عام 1987، وبدأ معها مسلسل التراجع وتفتيت المؤسسات الصحية العريقة الراسخة، والتمهيد للخصخصة بالاستسلام لشركات التامين، كما في الولايات المتحدة وكما بدأت تفعل مارغريت تاتشر في بريطانيا وهي تتحرش بنظام الصحة الوطنية فيها بحجج وذرائع غير مستحقة.. وترافق ذلك مع هجوم اميركا ونادي الكبار على منظمة الصحة العالمية واتهامها المهين بأنها فاشلة لا تصلح لهم بل للدول الفقيرة!

وفي بلاد عديدة وبينها الأردن بدأت الأقسام الأساسية المتكاملة التي تقود النظام الصحي ممثلة بوزارة الصحة تفصل تدريجيا عنها مثل المجلس الصحي العالي والمجلس الأعلى للسكان وقسم محاربة الأوبئة والامراض المعدية والسكري وعلاج السرطان ومؤسسة الغذاء والدواء !

وبعد.. لقد أتى على البشرية زمان كانت تخشى فيه ان تتحدث عن حقها في الصحة فذلك إما منة من الاغنياء على الفقراء، أو هو سلعة عليهم ان يدفعوا ثمنها مهما كان باهظاً، ولا يهم لو ادى حرمانهم منها الى شقائهم أو موتهم..

وفي هذه الأيام تزيد أميركا من حملاتها على المؤسسة الدولية خصوصا في المجال الصحي ساعية لان تُحِل محلها مؤسسات تابعة لها كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما لمن - لم يعرف بعد – مؤسستان مالیتان كبيرتان تساهم فيهما حكومات وبنوك .. الاميركية في

مقدمتها !

صحيح اننا في الاردن حققنا الكثير من التقدم في مسيرتنا الصحية، لكني اضع يدي على قلبي خوفا مما يُبيَّت لها وانا أرى الخصخصة تطل برأسها بين حين وآخر بأسماء وأشكال مختلفة اعرفها وقد اتحدث عنها في مقالا قادم !

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار الاردن على مدار الساعة