اخبار الاردن

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

حصاد الغيث وتحقيق الامن المائي

حصاد الغيث وتحقيق الامن المائي

klyoum.com

شهدت مختلف مناطق المملكة هطولات مطرية غزيرة رفعت من مناسيب التدفق في الأودية، لتنعش آمال المواطنين بموسم زراعي واعد وصيف يخفف من وطأة الضغوط على مياه الشرب. غير أن هذا المشهد المبشر يضعنا أمام واقع هيدرولوجي شديد الخصوصية؛ فبحسب التقارير الدولية والوطنية، يُصنف الأردن كواحد من أكثر بلدان العالم شحاً في المياه، إذ لا تتجاوز حصة الفرد من المياه المتجددة المتاحة حاجز الـ 61 متراً مكعباً سنوياً، وهو ما يُمثل نسبة ضئيلة جداً مقارنة بخط الشح المائي المطلق عالمياً والمقدر بـ 500 متر مكعب للفرد سنويًا. هذا الواقع الرقمي الحرج يجعل من ذهاب كميات ضخمة من مياه الأمطار هدرًا دون استغلال أمثل تحدياً وجودياً يستوجب تحويل كل قطرة غيث إلى رصيد استراتيجي دائم.

وفي قلب هذه المعادلة الحرجة، يتقاطع الأمن المائي بشكل كبير ومصيري مع الأمن الغذائي؛ فالقطاع الزراعي في المملكة يستهلك ما بين 50% إلى أكثر من نصف الموارد المائية المتاحة، وعلى الرغم من مساهمته المحدودة في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه يشكل العمود الفقري للاكتفاء الذاتي من المحاصيل الأساسية والمنتجات الحيوانية. وتُشير الدراسات الهيدرولوجية إلى أن التوسع في مشروعات الحصاد المائي السطحي من خلال السدود الرئيسية التي تتجاوز سعتها التخزينية نحو 280 مليون متر مكعب، إلى جانب الحواجز الترابية والبرك الصحراوية يمثل طوق النجاة لتغذية الأحواض الجوفية ودعم الزراعات المطرية ومناطق الثروة الحيوانية في البادية، مما يحد من التصحر وانجراف التربة ويخلق مجتمعات زراعية منتجة وقادرة على الصدمات المناخية التي يتوقع أن تخفض الموارد المائية بنسبة إضافية بحلول عام 2040.

ولتعظيم العائد الاقتصادي لكل قطرة مياه، تتجه الأنظار نحو حلول الري الذكية والبديلة، وفي مقدمتها التوسع المستدام في استخدام المياه العادمة المعالجة، حيث تشغل المملكة عشرات محطات التنقية المتقدمة التي تنتج مئات الآلاف من الأمتار المكعبة الموجهة كلياً لزراعة الأعلاف والمحاصيل المجمعة، مما يوفر المياه العذبة والنقية لأغراض الشرب والمنزل. وعلى المستوى اللامركزي، تبرز الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المياه والري لتقدم حلولاً واعدة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الاعتماد على الآبار المنزلية والخزانات الأرضية في جمع وتخزين مياه الأمطار من أسطح المنازل والمؤسسات قادر على حصاد ما يتراوح بين 45 إلى 60 مليون متر مكعب سنوياً من المياه ذات الجودة العالية. هذه الكمية الضخمة لا تسهم فقط في خفض الفاتورة المالية المترتبة على الأسر وتخفيف الضغط الحاد عن شبكات التوزيع الرسمية خلال ذروة الصيف، بل تتيح للمواطنين ممارسة زراعات منزلية صغرى تدعم الأمن الغذائي المعيشي للأسر.

إن حماية مستقبل الأردن التنموي تستوجب استراتيجية وطنية شاملة تُترجم لغة الأرقام إلى أفعال؛ عبر تشديد الرقابة والتصدي بحزم لمخالفات الهدر والاستنزاف الجائر، وتوفير التسهيلات التمويلية والحوافز للمواطنين والمزارعين لتبني تقنيات الحصاد المائي وأنظمة الري الحديثة. إن تمكين المواطن ليصبح شريكاً حقيقياً وفاعلاً في الإدارة الحكيمة للموارد المائية لم يعد خياراً كمالياً، بل هو الضمانة الاساسية لتحويل التحديات المناخية إلى فرصة حقيقية لبناء أمن مائي وغذائي مستدام يحفظ استقرار الوطن وأجياله القادمة.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار الاردن على مدار الساعة