المستثمر المؤسسي في بورصة عمّان
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
تحذير من تحويل أموال لصفحات غير مرخصة لتأجير المركبات السياحية في الأردن* هل يمول الشركات الجديدة أم يكتفي بتملك الشركات القائمة؟
ناقشنا في المقالات السابقة تطور بورصة عمّان، وقدرتها على استقطاب الشركات الجديدة، ومدى مساهمتها في تعبئة التمويل اللازم للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي المقال السابق، ميزنا بين الأموال المتداولة في السوق الثانوية ورؤوس الأموال الجديدة التي تدخل فعلياً إلى الشركات. لكن ثمة سؤالاً مكملاً لا يقل أهمية: من الذي يوفر التمويل للشركات عندما تقرر إصدار أسهم جديدة؟ وما الدور الذي يؤديه المستثمر المؤسسي في هذا المجال؟ فهل تقتصر مساهمة المؤسسات الاستثمارية في بورصة عمّان على تملك أسهم الشركات القائمة وتداولها، أم تمتد إلى تمويل الشركات الجديدة والنامية ومساعدتها على التوسع؟
لا ينطلق هذا السؤال من افتراض غياب المستثمر المؤسسي عن السوق الأردنية، وإنما من ضرورة التمييز بين حجم ملكيته للأسهم ودوره في تعبئة رأس المال الجديد، وهي مسألة أساسية لفهم العلاقة بين السوق المالية والاقتصاد الحقيقي.
المستثمر المؤسسي حاضر... ولكن بأي دور؟
تشير بيانات بورصة عمّان إلى أن ملكية غير الأردنيين بلغت 46.5% من القيمة السوقية للشركات المدرجة بنهاية عام 2025، منها 32.8 نقطة مئوية تعود إلى مؤسسات وشركات وصناديق غير أردنية، وفق تصنيف البورصة. وهذه النسبة لا تشمل المؤسسات الأردنية، ولا تعني بالضرورة أن جميع الجهات المصنفة مؤسسياً تدير محافظ استثمارية متخصصة.
وفي الجانب المحلي، يمثل صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أحد أبرز المستثمرين المؤسسيين؛ إذ بلغت موجوداته نحو 18.6 مليار دينار بنهاية عام 2025، موزعة على فئات مختلفة من الأصول، من بينها الأسهم. وإلى جانبه توجد شركات التأمين وصناديق الاستثمار ومديرو الأصول والمحافظ الاستثمارية التابعة للمؤسسات المالية. وتؤكد هذه المعطيات وجود قاعدة مهمة من المستثمرين المؤسسيين، لكنها لا تكشف مقدار الأموال التي تضخها هذه المؤسسات مباشرة في الشركات من خلال الاكتتابات الجديدة، مقارنة بمشترياتها في السوق الثانوية. فامتلاك مؤسسة حصة كبيرة في شركة مدرجة لا يعني بالضرورة أنها مولت الشركة؛ فقد تكون اشترت أسهمها من مساهمين آخرين، دون أن تدخل أموال جديدة إلى خزينة الشركة. وهنا يكمن الفرق بين الملكية المؤسسية والوظيفة التمويلية للمستثمر المؤسسي.
بين تملك الأسهم وتمويل الشركات
عندما يشتري صندوق استثماري أسهماً قائمة، فإنه يوفر سيولة للمساهم البائع ويسهم في نشاط السوق الثانوية. أما عندما يكتتب في أسهم جديدة تصدرها الشركة، فإن حصيلة الإصدار تدخل إلى الشركة، بعد خصم التكاليف، ويمكن استخدامها لتمويل التوسع أو تطوير الأعمال أو تلبية احتياجاتها المالية.
ولا يعني ذلك أن الاستثمار في الأسهم القائمة أقل أهمية؛ فالسيولة وكفاءة التسعير قد تساعدان الشركات على الحصول على التمويل مستقبلاً، كما أن وجود مستثمرين مؤسسيين يمكن أن يعزز الحوكمة والرقابة على الإدارة من خلال ممارسة حقوق المساهمين. لكن الأثر التمويلي المباشر يختلف بين الحالتين، ولذلك لا يجوز اعتبار ارتفاع الملكية المؤسسية دليلاً كافياً على زيادة التمويل الجديد المتاح للشركات. والسؤال الاقتصادي الأهم هو: إلى أي مدى تشارك المؤسسات الاستثمارية في تمويل الشركات الجديدة والنامية، بدلاً من تركيز استثماراتها في الشركات الكبيرة والراسخة؟
ماذا تكشف تعاملات المستثمرين غير الأردنيين؟
بلغت مشتريات المستثمرين غير الأردنيين خلال عام 2025 نحو 310.9 ملايين دينار، مقابل مبيعات بلغت 372.3 مليون دينار، بصافي بيع يقارب 61.4 مليون دينار، وفق بيانات بورصة عمّان. لكن هذه الأرقام تشمل المستثمرين غير الأردنيين عموماً، وليس المؤسسات وحدها، كما أنها تتعلق بالتداول في السوق ولا تقيس المشاركة في الاكتتابات الجديدة. ومن الخطأ اعتبار صافي البيع دليلاً مباشراً على تراجع التمويل المتاح للشركات؛ فالتداول في السوق الثانوية يتم بين المستثمرين، ولا يغير بذاته رأس المال الذي حصلت عليه الشركات. وهنا تظهر فجوة معلوماتية مهمة: نعرف حجم الملكيات والتعاملات، لكن هذه البيانات لا تقدم وحدها صورة واضحة عن مساهمة المستثمرين المؤسسيين في تمويل الإصدارات الجديدة.
صندوق الضمان: الاستثمار أولاً
يستحق صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي اهتماماً خاصاً نظراً إلى حجم موجوداته وطبيعة التزاماته طويلة الأجل، لكنه ليس المؤسسة الوحيدة القادرة على الاستثمار في الأسهم وتمويل الإصدارات الجديدة. ومن المهم التأكيد أن الصندوق ليس أداة لدعم أسعار الأسهم أو ضمان نجاح الطروحات، ولا ينبغي تحميله أدواراً تتعارض مع واجباته الائتمانية تجاه المشتركين والمتقاعدين. فقراراته الاستثمارية يجب أن تستند إلى العائد المتوقع والمخاطر والسيولة وتنويع المحفظة ومواءمة الأصول مع الالتزامات المستقبلية، وفق أسس الحوكمة والاستقلالية المهنية.
وينطبق المبدأ نفسه على المؤسسات الاستثمارية الأخرى، مع مراعاة اختلاف طبيعة التزاماتها وسياساتها. والمطلوب ليس توجيه المؤسسات إلى شراء إصدارات جديدة بصرف النظر عن جدواها، وإنما تطوير فرص استثمارية تتمتع بتسعير مناسب، وإفصاحات موثوقة، وآفاق نمو مقنعة. فوجود الأموال لا يخلق طلباً استثمارياً مستداماً ما لم تتوافر فرص تستحق التمويل.
هل المشكلة في الطلب أم في المعروض؟
قد يكون من السهل تفسير محدودية الإصدارات الجديدة بضعف الطلب المؤسسي، لكن هذا الاستنتاج يحتاج إلى دليل. فإذا كانت الشركات المؤهلة لا تطرح أسهماً جديدة، أو كانت الإصدارات صغيرة الحجم أو مرتفعة التقييم أو محدودة السيولة المتوقعة، فقد لا تجد المؤسسات فرصاً تتناسب مع سياساتها الاستثمارية. وفي المقابل، قد تتردد الشركات في إصدار أسهم جديدة إذا اعتقدت أن السوق لا تضم طلباً كافياً لتغطيتها بأسعار مناسبة. وهكذا قد تنشأ علاقة متبادلة بين العرض والطلب، لكن إثبات وجودها في الأردن يتطلب دراسة بيانات الطروحات والتغطية والتسعير والمشاركة المؤسسية. ويستحق تركّز الاستثمارات المؤسسية اهتماماً إضافياً؛ فقد توجد ملكيات مؤسسية كبيرة في السوق، لكنها تتركز في عدد محدود من الشركات أو القطاعات، مما يحد من استفادة الشركات الجديدة والنامية من هذه القاعدة الاستثمارية. غير أن التركز ليس بالضرورة دليلاً على خلل في قرارات المؤسسات؛ فقد يعكس حجم الشركات المتاحة وسيولتها وأوزانها السوقية ومستويات مخاطرها. ولذلك ينبغي تحليل أسبابه قبل اقتراح معالجته. والسؤال الأدق ليس لماذا لا تشتري المؤسسات مزيداً من الأسهم، بل هل تتوافر إصدارات جاذبة للمؤسسات، وهل تجد الشركات المصدرة طلباً كافياً عليها؟
ماذا نتعلم من التجارب الدولية؟
تؤكد الأدبيات الاقتصادية أهمية المستثمرين المؤسسيين في تعميق أسواق رأس المال، وتحسين التحليل المالي، وتعزيز الحوكمة، وتوفير مصادر محتملة للتمويل طويل الأجل. لكن هذه المؤسسات لا تستثمر بالضرورة في الأسهم المحلية أو الإصدارات الجديدة؛ فقد تفضل أدوات الدخل الثابت أو الأسواق الخارجية أو الشركات الكبيرة الأكثر سيولة، وفق التزاماتها واستراتيجياتها. وتشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تفاوت دور المستثمرين المؤسسيين بين الأسواق المتقدمة والناشئة، نتيجة اختلاف البنية المؤسسية وعمق الأسواق وتطور صناعة إدارة الأصول. ولا ينبغي إسقاط النتائج الدولية مباشرة على الأردن؛ فالمطلوب أولاً قياس واقع الملكية المؤسسية المحلية والأجنبية، وطبيعة استثماراتها، ومدى مشاركتها في تمويل الإصدارات الجديدة. والدرس الأهم أن تطوير قاعدة المستثمرين يجب أن يسير بالتوازي مع تحسين جودة الشركات والإصدارات، وليس مجرد زيادة الأموال المتاحة للاستثمار.
من الملكية المؤسسية إلى قياس التمويل الجديد
أقترح أن تعمل الجهات المعنية بسوق رأس المال الأردنية على إعداد تقرير دوري يقيس مشاركة المستثمرين المؤسسيين في الإصدارات النقدية الجديدة، إلى جانب الإحصاءات التقليدية عن الملكية والتداول. ويمكن أن يتضمن التقرير قيمة الإصدارات النقدية الفعلية، وحصة المؤسسات المحلية والأجنبية من الاكتتابات المنفذة، وعدد المؤسسات المشاركة، وتوزيع التمويل بين القطاعات، وحصة الشركات الجديدة والنامية، ومدى تنوع قاعدة المكتتبين. ومن المهم التمييز بين الأموال التي تدخل إلى الشركات من خلال إصدار أسهم جديدة، والأموال التي يحصل عليها مساهمون حاليون عند بيع أسهم قائمة ضمن عمليات الطرح. كما ينبغي دراسة نسب تغطية الإصدارات والأسعار التي نُفذت عندها، وتطور السيولة بعد الإدراج، دون اعتبار ارتفاع التغطية وحده دليلاً على نجاح الإصدار اقتصادياً.
وفي هذا السياق، أقترح تطوير "مؤشر المشاركة المؤسسية في التمويل الأولي"، بوصفه أداة بحثية تقيس نسبة الأموال التي اكتتبت بها المؤسسات إلى إجمالي الحصيلة النقدية للإصدارات الجديدة خلال فترة محددة. ولا يقيس هذا المؤشر جودة الاستثمارات أو عوائدها، لكنه يساعد على معرفة مدى مساهمة المؤسسات في تعبئة رأس المال الجديد، بدلاً من الاكتفاء بقياس ملكيتها للأسهم القائمة.
ويمكن استكماله بمؤشرات لقياس تنوع المؤسسات المشاركة ودرجة تركز التمويل وحصة الشركات الحديثة الإدراج. كما يمكن أن يكمل مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (MEII) الذي طرحناه سابقاً؛ فالأول يتناول مشاركة المؤسسات في التمويل، بينما يبحث الثاني في مدى تجدد الشركات والأنشطة الاقتصادية الممثلة في البورصة.
من يموّل شركات الغد؟
تؤكد البيانات وجود مستثمرين مؤسسيين مهمين في بورصة عمّان، لكنها لا تكفي لتحديد مدى مساهمتهم في تمويل الإصدارات الجديدة، أو الحكم على كفاية الطلب المؤسسي مقارنة بالفرص الاستثمارية المتاحة. ولا ينبغي أن يكون الهدف زيادة استثمارات المؤسسات في الأسهم بصورة غير مدروسة، بل تطوير سوق تتوافر فيها شركات مؤهلة، وإصدارات مجدية، وتسعير عادل، وإفصاحات موثوقة، وقاعدة متنوعة من المستثمرين القادرين على تقييم الفرص وتحمل مخاطرها. فإذا كانت الشركات الجديدة تمثل جانب العرض في سوق رأس المال، فإن المستثمرين المؤسسيين يمثلون جزءاً مهماً من جانب الطلب. ولا يمكن تطوير الوظيفة التمويلية للسوق دون فهم العلاقة بين الجانبين ومعالجة المعوقات التي قد تحول دون التقائهما.
لكن المستثمر المؤسسي، على أهميته، ليس سوى أحد مكونات منظومة سوق رأس المال. فتعزيز دور البورصة في الاقتصاد يحتاج أيضاً إلى تنويع الأدوات المالية، واستقطاب الشركات المؤهلة للإدراج، وترسيخ الثقة وحماية المستثمرين، وتطوير إطار مؤسسي قادر على تحويل التوصيات إلى نتائج قابلة للقياس. وفي المقال الثالث عشر والأخير من هذه السلسلة، سننتقل من تشخيص هذه التحديات إلى طرح رؤية متكاملة لمستقبل بورصة عمّان، تتناول تطوير أدواتها المالية، وتجديد قاعدة شركاتها، وتعزيز دورها في تمويل الاقتصاد الوطني.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم لم يعد: هل يوجد مستثمر مؤسسي في بورصة عمّان؟ فقد أثبتت الأرقام وجوده. وإنما: إلى أي مدى تسهم هذه المؤسسات في تمويل شركات الغد، وليس فقط في تملك أسهم شركات الأمس؟