إدارة وتشغيل النظام الكهربائي
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
بشرى سارة للمستهلكين تراجع مرتقب في اسعار زيت الزيتون هذا الموسمشاعت خلال العقدين الماضيين مقولة مفادها أن هناك كهرباء تُولَّد ولا تُستهلك، وأن تشغيل محطات التوليد يؤدي إلى وجود استطاعة توليدية فائضة، وبالتالي تصبح شركة الكهرباء الوطنية ملزمة بشراء الطاقة الكهربائية التي تنتجها هذه المحطات، سواء كانت المنظومة الكهربائية بحاجة إليها أم لا. والحقيقة أن هذا الطرح يعكس عدم فهم لطبيعة تشغيل الأنظمة الكهربائية، التي تقوم في مختلف دول العالم على قواعد فنية واقتصادية دقيقة، تضمن التوازن المستمر بين إنتاج الكهرباء واستهلاكها.
ان مدى نجاح ادارة اي نظام الكهربائي بشكل عام لا يتحقق الا بتوازن التوليد مع الحمل الكهربائي في كل لحظة تقريبًا. ولذلك، لا يتم تشغيل محطات التوليد بصورة عشوائية، ولا بناءً على رغبة محطة معينة في العمل، وإنما وفق خطة تشغيل يضعها مركز التحكم المختص، استنادًا إلى حجم الحمل المتوقع، وقدرات وحدات التوليد، وكفاءتها، وجاهزيتها، وتكاليف تشغيلها، والالتزامات التعاقدية المرتبطة بها، إضافة إلى متطلبات أمن النظام الكهربائي واستقراره.
وهنا تكمن أهمية إدارة الأحمال الكهربائية. فإذا بلغ الحمل على النظام، على سبيل المثال، ثلاثة آلاف ميغاواط، فلا مبرر لتشغيل جميع محطات التوليد التي قد تتجاوز قدراتها الإجمالية أربعة آلاف ميغاواط؛ لأن المطلوب هو توفير القدرة اللازمة لتغطية الحمل، مع الاحتفاظ بهامش احتياطي يضمن استقرار النظام ومواجهة أي طارئ قد يحدث بصورة مفاجئة.
ويُعرف هذا الهامش في الأنظمة الكهربائية بالاحتياطي التشغيلي، ومن مكوناته الاحتياطي الدوار (Spinning Reserve)، الذي يتمثل في قدرات توليدية متاحة وقابلة للاستجابة السريعة عند حدوث عطل مفاجئ في إحدى وحدات التوليد أو تغير الحمل بصورة غير متوقعة. والهدف من هذا الاحتياطي ليس إنتاج كهرباء لا يحتاج إليها المستهلك، وإنما حماية النظام من الانقطاعات والمحافظة على تردده واستقراره.
وفي حال توافر ربط كهربائي فعال مع أنظمة الدول المجاورة، يمكن الاستفادة من استيراد الطاقة الكهربائية عند الحاجة، بما يسهم في تقليل متطلبات الاحتياطي التوليدي المحلي، وفقًا لقدرات الربط وظروف التشغيل والاتفاقيات القائمة. وهذا ما يُطبَّق في النظام الكهربائي الأردني من خلال الاستجرار من النظام الكهربائي المصري عند الحاجة. كما يتيح الربط الكهربائي الخليجي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تبادل الطاقة والاستفادة المتبادلة من القدرات التوليدية، بما يمكن أن يحقق وفورات اقتصادية ويقلل الحاجة إلى تخصيص احتياطيات مستقلة وكبيرة في كل دولة. وتشير التقديرات الواردة في هذا السياق إلى إمكانية تحقيق وفورات سنوية كبيرة، تصل إلى نحو 350 مليون دولار، بحسب أسس الاحتساب وظروف التشغيل.
وهنا يأتي دور مركز التحكم الوطني، التابع لشركة الكهرباء الوطنية في الأردن، الذي يتولى مراقبة النظام الكهربائي بصورة مستمرة، ومتابعة الأحمال ومستويات التوليد وحالة شبكة النقل، وإصدار أوامر التشغيل لمحطات التوليد وفقًا لمتطلبات النظام وظروفه التشغيلية.
وبناءً على ذلك، لا تستطيع محطة التوليد أن تقرر من تلقاء نفسها متى تعمل وبأي قدرة، كما أن عدم تشغيلها خلال فترة معينة لا يعني وجود تقصير بحقها أو عدم الحاجة إليها مستقبلًا. فقد تكون المحطة ذات كفاءة عالية، لكنها ببساطة غير مطلوبة في تلك اللحظة، أو قد تكون هناك وحدات أخرى أكثر ملاءمة لتغطية الحمل وفقًا لظروف التشغيل القائمة.
وفي النظام الكهربائي الأردني، كما هو الحال في الأنظمة الكهربائية الحديثة، تؤدي وحدات التوليد أدوارًا مختلفة في تغطية الأحمال. فهناك وحدات تُستخدم لتغطية جزء أساسي من الحمل، وأخرى تُشغَّل عند الحاجة إلى قدرات إضافية أو لمواجهة تغيرات الطلب. وتُراعى في تحديد ترتيب التشغيل مجموعة متكاملة من العوامل، تشمل الكفاءة، وتكاليف التشغيل، والقيود الفنية، ومتطلبات الصيانة، والالتزامات التعاقدية، ومتطلبات أمن النظام واستقراره.
فعلى سبيل المثال، تشكل وحدات توليد الكهرباء باستخدام الصخر الزيتي في الأردن، التي تبلغ قدرتها نحو 470 ميغاواط، جزءًا مهمًا من منظومة التوليد، وتخضع لمتطلبات تشغيل وصيانة تتناسب مع طبيعة هذه التكنولوجيا. كما تُعد وحدات محطة السمرا ومحطة رحاب، التي تديرها شركة السمرا لتوليد الكهرباء، من الوحدات المهمة في تغطية الأحمال، إذ تبلغ القدرة الإجمالية المشار إليها نحو 1500 ميغاواط، وتتميز وحدات الدورة المركبة بكفاءة عالية في استخدام الوقود مقارنةً ببعض تقنيات التوليد التقليدية.
أما محطات التوليد الخاصة، فيُحدد تشغيلها وفق ترتيب يأخذ في الاعتبار كفاءة وحداتها، وتكاليفها المتغيرة، والالتزامات التعاقدية المرتبطة بها، والقيود الفنية للنظام. وبصورة عامة، تحظى الوحدات الأقل تكلفة تشغيلية بأفضلية اقتصادية عند المفاضلة بين الوحدات المتاحة، مع مراعاة الشروط التعاقدية ومتطلبات التشغيل وأمن المنظومة الكهربائية.
وعندما ترتفع الأحمال بصورة كبيرة، كما حدث خلال موجات الحر في صيف عام 2025، يحتاج النظام إلى تشغيل عدد أكبر من وحدات التوليد، وقد يصل الأمر إلى تشغيل معظم الوحدات المتاحة لتغطية الطلب والمحافظة على الاحتياطي المطلوب. أما في فترات انخفاض الأحمال، كما يحدث في بعض أيام الربيع والخريف، فتتراجع الحاجة إلى تشغيل جميع المحطات، وتتركز الأولوية على الوحدات الأنسب لتغطية الحمل بأعلى كفاءة وأمان.
ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن الاستجابة دائمًا لمطالب بعض محطات التوليد التي تتساءل عن أسباب عدم تشغيل وحداتها. فقرار تشغيل المحطة ليس قرارًا تجاريًا منفصلًا عن احتياجات النظام، وإنما هو قرار فني واقتصادي يرتبط بحالة الشبكة، وحجم الحمل، وقدرات التوليد المتاحة، وكلفة الإنتاج، ومتطلبات الاحتياطي في تلك اللحظة.
وفي المقابل، عندما يصدر مركز التحكم أمرًا إلى إحدى وحدات التوليد بالدخول في الخدمة أو زيادة إنتاجها، يتعين على المحطة الاستجابة وفقًا لمتطلبات اتفاقية شراء الطاقة. وإذا لم تكن الوحدة متاحة أو لم تستجب لأمر التشغيل وفق الشروط المتفق عليها، فقد تترتب عليها غرامات أو تعويضات بحسب بنود الاتفاقية، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بالجاهزية والتوافرية. وقد شهد قطاع الكهرباء الأردني حالات طُبقت فيها مثل هذه البنود، الأمر الذي يؤكد أن العلاقة بين شركة الكهرباء الوطنية ومحطات التوليد الخاصة تحكمها اتفاقيات والتزامات واضحة، وليست قرارات انتقائية.
ومن أهم العوامل التي يمكن أن تعزز كفاءة تشغيل النظام الكهربائي مستقبلًا توسيع الربط الكهربائي مع الدول المجاورة وتطويره ، ولا شك ان مساعي وزارة الطاقة والثروة المعدنية في التواصل مع الجهات المعنية في مصر والسعودية والعراق وسوريا ولبنان سيكون لها اكبر الاثر في تحقيق المنفعة للنظام الكهربائي الاردني . فالربط لا يقتصر على تبادل الطاقة الكهربائية، بل يتيح أيضًا تقديم الدعم المتبادل في حالات الطوارئ، والاستفادة من اختلاف أنماط الأحمال بين الدول، وتقليل الحاجة إلى الاحتفاظ بمقادير كبيرة من القدرات الاحتياطية داخل كل نظام بصورة منفردة، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة ويخفض التكاليف الإجمالية.
أما مستقبل إدارة الأنظمة الكهربائية، فيرتبط بصورة متزايدة بالرقمنة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فإدارة نظام كهربائي يضم محطات تقليدية، ووحدات تعمل بتكنولوجيا الدورة المركبة، ومصادر متجددة، وشبكات ربط كهربائي، وأحمالًا متغيرة، تتطلب معالجة كميات هائلة من البيانات وتحليلها بصورة مستمرة.
ومن الممكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين التنبؤ بالأحمال، وتقدير إنتاج محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، واختيار المزيج الأمثل من وحدات التوليد، وتحسين إدارة الاحتياطي، والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، ورفع جاهزية وحدات التوليد. ومن شأن ذلك أن يعزز كفاءة التشغيل واقتصاديته وأمانه، ويساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة.
وتزداد أهمية هذه التطبيقات مع التوسع في إدخال الطاقة المتجددة إلى النظام الكهربائي الأردني، حيث تُقدَّر القدرات المشار إليها لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح بنحو 1500 ميغاواط. ونظرًا إلى تأثر إنتاج هذه المصادر بالظروف الجوية، تصبح دقة التنبؤ بإنتاجها عنصرًا أساسيًا في تخطيط التوليد التقليدي وتحديد الاحتياطي اللازم لضمان استقرار النظام.
إن تشغيل النظام الكهربائي علم له قواعده وأدواته، ولا يمكن النظر إليه من زاوية محطة واحدة، أو منتج واحد، أو فترة زمنية محددة. فالهدف النهائي هو توفير الكهرباء للمستهلك بالكمية المطلوبة والجودة المناسبة، وبأعلى درجات الأمان والاستمرارية، وبأقل كلفة ممكنة على النظام ككل.
ومن هنا، فإن عدم تشغيل محطة في لحظة معينة لا يعني أن النظام لا يحتاج إليها، كما أن تشغيل محطة لا يعني بالضرورة أن إنتاجها هو الخيار الوحيد أو الأقل تكلفة في تلك اللحظة. فالقرار الصحيح هو الذي يحقق التوازن بين الحمل والتوليد والاحتياطي وأمن الشبكة والكفاءة الاقتصادية، مع الالتزام بالاتفاقيات المنظمة لقطاع الكهرباء.
وهذه هي المهمة الأساسية لمركز التحكم الوطني: النظر إلى النظام الكهربائي باعتباره منظومة متكاملة، لا مجموعة من المحطات المنفصلة، واتخاذ قرارات التشغيل وفقًا للحاجة الفعلية للنظام، بالاستناد إلى الخبرة الفنية والتكنولوجيا الحديثة، وصولًا إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أداة مساندة أساسية في اتخاذ قرارات التشغيل المثلى، دون المساس بأولوية أمن النظام الكهربائي واستقراره واستمرارية التزويد بالطاقة.
والله من وراء القصد.