اخبار الاردن

صحيفة السوسنة الأردنية

سياسة

بريطانيا بعد بريكست .. من يدفع ثمن القرار؟

بريطانيا بعد بريكست .. من يدفع ثمن القرار؟

klyoum.com

في حياة الأمم هنالك قرارات تولد في لحظة ما دون معرفة ابعاد اتخاذها ، الا انه عند العودة عنها لا تنتهي بانتهائها بل تمتد آثارها كدوائر متسعة في بحيرة الزمن حتى تبلغ شواطئ لم يتخيلها أصحاب القرار ، لذلك لا تقاس خطورة القرارات الكبرى بين حكومات العالم بلحظة إعلانها بل بما تتركه من آثار طويلة على حياة الشعوب التي تضطر إلى العيش داخل نتائجها

وهكذا تبدو " بريطانيا " اليوم بعد عقد من استفتاء الخروج من " الاتحاد الأوروبي " وهي تعيد تقييم تجربة راهنت عليها سياسيا واقتصاديا ، فقد أظهر استطلاع لمجموعة " ميسينا " في سبتمبر 2026 تأييد 49% من المشاركين لعودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد مقابل 28.5% معارضة ، فيما أظهر استطلاع آخر " ليوغوف " تأييدا بلغ 59% للعودة الكاملة ، مع اختلاف صيغة السؤال والجهة المنفذة ، وتعكس هذه الأرقام رغم تفاوتها تحولا في المزاج العام يستحق التأمل ، لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان البريطانيون قد غيروا رأيهم ! بل كيف يمكن لقرار اتخذ باسم الشعب أن يتحول بعد سنوات إلى تجربة يدفع الشعب نفسه تكلفتها ؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين الوعود التي سبقت التصويت والواقع الذي أعقبه؟

ففي عام " 2016 " كان الخروج تعبيرا عن رغبة قطاعات من المجتمع في استعادة القرار الوطني وتشديد السيطرة على الحدود وتقليص نفوذ المؤسسات الأوروبية وسط مخاوف تتعلق بالهجرة والهوية والاقتصاد ، وقد بدت تلك الأهداف لكثيرين طريقا نحو استقلال أوسع في إدارة شؤون البلاد ، الا أن السياسة حين تختصر القضايا المعقدة في شعارات سهلة قد تمنح الناس شعورا مؤقتا بالوضوح ثم تتركهم أمام واقع أكثر تعقيدا ، فالاستقلال في اتخاذ القرار لا يضمن وحده نتائج أفضل ، كما أن امتلاك الصلاحيات القانونية لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها لتحقيق الازدهار ، فلقد أعاد " بريكست " تشكيل قواعد التجارة وفرض إجراءات إدارية جديدة على الشركات وغير شروط الحركة والعمل والإقامة بين بريطانيا والدول الأوروبية ، نعم لا يمكن تحميله وحده مسؤولية الأزمات الاقتصادية البريطانية إذ تتداخل معه عوامل التضخم وأزمات الطاقة والسياسات الداخلية والتحولات الدولية ، لكن تغيير العلاقة مع أحد أكبر الشركاء التجاريين لا يمكن أن يظل محصورا في الخطاب السياسي ، فأثره يصل إلى الأسواق والمصانع والجامعات ويمتد إلى خطط الأسر والشباب وأصحاب الأعمال

وهنا تكمن المأساة الصامتة للقرارات العامة ، في ان السياسي قد يغادر منصبه والحكومة قد تتبدل والشعار قد يفقد بريقه ، لكن المواطن لا يستطيع مغادرة النتائج بسهولة ، فالزمن السياسي قصير بينما الزمن الاجتماعي طويل ، وقد يحتاج المجتمع سنوات لفهم آثار قرار اتخذ في لحظة وربما جيلا كاملا لتجاوز بعضها ، لذلك فإن التفكير في استئناف " العضوية الأوروبية " لا يعني أن بريطانيا تستطيع العودة إلى موقعها السابق بالشروط ذاتها ، فإذا انتقلت الرغبة السياسية إلى مسار رسمي فستحتاج لندن إلى تقديم طلب عضوية جديد والتفاوض بشأنه وفقا للمادة " 49 " من معاهدة الاتحاد الأوروبي مع موافقة الدول الأعضاء بالإجماع ، وقد تواجه بريطانيا تحديات تتعلق بالامتيازات السابقة والمساهمات المالية وحرية الحركة والالتزام بالتشريعات الأوروبية ، فالاستثناءات التي تمتعت بها في عضويتها السابقة ومنها " الخصم المالي " وبعض الترتيبات الخاصة " باليورو وشنغن " لن تكون مضمونة تلقائيا في عضوية جديدة

ومن ذلك ملف " الهجرة " أكثر الملفات حساسية ، لأنها ارتبطت بأحد الدوافع الرئيسية للتصويت للخروج ، كما أن الاندماج في السوق الأوروبية يقتضي الالتزام بقواعد مشتركة قد تحد من الانفراد ببعض القرارات التنظيمية مقابل تسهيل التجارة وتقليل الحواجز أمام الشركات ، أما اعتماد " اليورو " فلا يعني أن الانضمام سيؤدي إليه فورا ، إذ ترتبط المسألة بالالتزامات القانونية وشروط العضوية ومسار استيفاء المعايير ، ومن هنا تظهر المفارقة السياسية في تلك القرارات اللحظية ، فما اعتبر عام 2016 طريقا إلى استقلال أوسع اصبح عند مراجعة التجربة موضوعا للموازنة بين حرية التصرف ومكاسب التعاون ، لكن ليس كل التزام مشترك انتقاصا من المصلحة الوطنية كما أن التمسك بموقف سابق لا يعني بالضرورة الدفاع عن الكرامة الوطنية ، فالمعيار الحقيقي هو قدرة الدولة على تحويل خياراتها إلى نتائج ملموسة في حياة مواطنيها

ولهذا فإن استئناف " العضوية الأوروبية " إن حدث لن يكون علاجا سحريا لأزمات الاقتصاد والإسكان والخدمات العامة ، ولن يمحو عقدا من التحولات المؤسسية والتجارية بل سيفتح خلافات جديدة حول التمويل والهجرة والقواعد المشتركة ، ويضع الحكومة أمام مسؤولية إقناع المواطنين بأن المكاسب المتوقعة تستحق الالتزامات المطلوبة ، كما أن تأييد الارتباط مجددا بالاتحاد في استطلاعات الرأي لا يعني بالضرورة استعداد المواطنين لقبول جميع شروطه ، فالرغبة في تحسين العلاقة مع أوروبا شيء والاستعداد لتحمل تبعات العضوية الكاملة شيء آخر ، وحين تظهر التفاصيل بدقتها قد تتغير المواقف مرة أخرى

إن الدرس الأعمق في التجربة البريطانية يتجاوز الاتحاد الأوروبي إلى جوهر المسؤولية السياسية ، فالديمقراطية لا تكتمل بصندوق اقتراع بل تحتاج إلى نقاش يستند إلى المعلومات ومساءلة للوعود ومؤسسات تستطيع مراجعة السياسات عندما تكشف الوقائع حدودها ، فلا يفقد الشعب كرامته حين يعيد التفكير ولا تكتسب الدولة الحكمة بمجرد الإصرار على قرار سابق خشية الاعتراف بالخطأ ، لان الأوطان ليست ساحات لإثبات صحة الزعماء ، والشعوب ليست مادة خاما لتجارب الأفكار السياسية ، فقد تختار بريطانيا مستقبلا عضوية أوروبية كاملة أو شراكة أعمق دونها ، لكن السؤال الذي سيظل قائما ، هو : من يتحمل مسؤولية القرارات التي تغير مصير الشعوب ؟ ومن يملك شجاعة مراجعتها حين تتبدل الحقائق؟ ، لأن أخطر ما تتركه الأخطاء السياسية ليس آثارها وحدها بل الاعتقاد بأن الاعتراف بها أخطر من الاستمرار فيها ، فالتاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها تغير رأيها ، وإنما تدفع الشعوب الثمن حين يصر أصحاب القرار على تجاهل ما تعلموه من التاريخ .

*المصدر: صحيفة السوسنة الأردنية | assawsana.com
اخبار الاردن على مدار الساعة