ثلاثة سيناريوهات للمشهد السياسي في اسرائيل
klyoum.com
أخر اخبار الاردن:
التضخم!تتجه إسرائيل في 27 تشرين الأول 2026 إلى انتخابات الكنيست ، في أول انتخابات عامة تجري بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023 وما أعقبها من حرب طويلة وتغيرات عسكرية وأمنية وسياسية امتدت آثارها إلى غزة والضفة الغربية وجبهات إقليمية متعددة، ومن هنا، فإن هذه الانتخابات لا تبدو مجرد استحقاق دوري لتجديد أعضاء الكنيست، بل اختباراً سياسياً عميقاً لمسار الدولة الإسرائيلية بعد واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخها الحديث.
ولفهم نتائج هذه الانتخابات المحتملة، لا بد من التوقف أولاً عند خصوصية النظام الدستوري والانتخابي الإسرائيلي.
فإسرائيل لا تمتلك دستوراً مكتوباً في وثيقة دستورية واحدة، وإنما يقوم نظامها الدستوري على مجموعة من قوانين الأساس التي تنظم شكل الدولة وعمل مؤسساتها والعلاقة بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية والحقوق والحريات ، ويعود غياب الدستور إلى خلافات تاريخية ارتبطت بطبيعة الدولة وهويتها هل هي ديمقراطية مدنية ام يهودية دينية .
أما السلطة التشريعية فتتمثل في الكنيست، وهي برلمان أحادي الغرفة يتكون من 120 عضوا. ويجري انتخاب أعضائه من خلال قوائم حزبية، وليس عبر دوائر انتخابية محلية متعددة، وتشارك في توزيع المقاعد القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة، ثم توزع المقاعد وفقا للقوة الانتخابية للقوائم .
ويحق للمواطن الإسرائيلي التصويت ابتداء من سن الثامنة عشرة، بينما يشترط للترشح لعضوية الكنيست بلوغ سن الحادية والعشرين، هذه البنية الانتخابية تفسر إلى حد كبير طبيعة السياسة الإسرائيلية؛ فالانتخابات لا تنتج بالضرورة حكومة بمجرد فوز حزب بأكبر عدد من المقاعد، وإنما تنتج برلماناً متعدد الأحزاب، ثم تبدأ عملية تشكيل الحكومة من خلال بناء ائتلاف قادر على الحصول على ثقة الكنيست، ولذلك فإن السؤال الحقيقي في الانتخابات الإسرائيلية ليس فقط ، من سيكون الحزب الأكبر؟ وإنما ، من يستطيع تشكيل كتلة برلمانية تصل إلى عتبة الـ61 مقعدا؟
ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات 2026 مختلفة عن الانتخابات السابقة، لأنها تجري في ظل سؤال أمني وسياسي لا يزال يفرض نفسه بقوة على المجتمع الإسرائيلي: كيف تقرأ إسرائيل ما حدث في السابع من تشرين الأول، وما تلاه من حرب على غزة ومواجهات وجبهات إقليمية، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وما أعقبه؟
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن المشهد لا يمنح أي طرف طريقا سهلا نحو أغلبية برلمانية مستقرة ، حصل كل من الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو و”يشَار” بزعامة غادي آيزنكوت على 20 مقعدا،
وبالتالي، فإن قراءة هذه الأرقام لا تقود إلى نتيجة انتخابية محسومة، وإنما تؤكد أن الكنيست المقبلة قد تكون أمام خريطة سياسية مجزأة، وأن معركة تشكيل الحكومة قد تكون أهم من معركة الحزب الأكبر.
ومن وجهة نظر تحليلية لكاتب هذه السطور، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: تشكيل حكومة من خلال تفوق واضح لإحدى الكتلتين ،يتمثل هذا السيناريو في أن تنجح إحدى القوى السياسية في الحصول، منفردة أو من خلال تحالفات قريبة منها، على العدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومة مستقرة، وقد يكون ذلك عبر استمرار نتنياهو في قيادة ائتلاف يميني ـ ديني، أو انتقال مهمة تشكيل الحكومة إلى غادي آيزنكوت وحلفائه إذا استطاعت المعارضة بناء أغلبية برلمانية.
غير أن طبيعة النظام الحزبي الإسرائيلي تجعل الوصول إلى أغلبية واضحة أمراً معقداً، خصوصاً مع تعدد القوائم وتجاوز عدد من الأحزاب الصغيرة للعتبة الانتخابية، و ضعف الليكود وهو ما يجعل مسألة تركيب الائتلاف أكثر تعقيداً من مجرد معرفة الحزب الذي سيحصل على المركز الأول .
اما السيناريو الثاني وهو حكومة وحدة وطنية واسعة تضم الليكود وقوى من المعارضة، بما يخفف من حدة الاستقطاب الداخلي ويمنح الحكومة قاعدة برلمانية أوسع في مواجهة الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وهنا يمكن أن يصبح مفهوم “الوحدة الوطنية” أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت الانتخابات إلى تعادل أو تقارب شديد بين الكتل، ولم يتمكن أي معسكر من الوصول إلى 61 مقعداً.
وقد يكون هذا السيناريو أكثر تعقيداً من الناحية السياسية؛ لأن تشكيل حكومة تجمع خصوماً انتخابيين يحتاج إلى تسويات حول رئاسة الحكومة وتوزيع الحقائب والأولويات السياسية، وتقسيم المدد الزمنية للرئاسات فضلاً عن الملفات التي أصبحت جوهرية في الصراع الداخلي الإسرائيلي، وفي مقدمتها المسؤولية عن أحداث السابع من اكتوبر، وإدارة الحرب، والملف الفلسطيني، والعلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الأمنية، وقضايا الخدمة العسكرية والهوية الدينية للدولة.
لكن حكومة الوحدة، إذا تشكلت، لن تكون بالضرورة مجرد تسوية انتخابية، بل قد تعكس إدراكا بأن الانقسام الداخلي وصل إلى مرحلة يصعب معها حكم إسرائيل من خلال ائتلاف ضيق في ظل استمرار التحديات الأمنية والإقليمية وفي السيناريو الثالث يكون إعادة الانتخابات بسبب انسداد سياسي مما يعني العودة إلى صناديق الاقتراع بسبب عدم تمكن أي طرف من تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، أو انهيار الائتلافات المقترحة خلال عملية التشكيل، بما يقود في النهاية إلى حل الكنيست والعودة إلى انتخابات جديدة.
وهذا السيناريو ليس مستبعداً في النظام السياسي الإسرائيلي، الذي شهد خلال السنوات الماضية تكراراً للانتخابات بسبب صعوبة تشكيل أغلبية مستقرة .
من الناحية السياسية، فإن إعادة الانتخابات لن تكون الخيار المفضل لأي طرف، لأنها ستعني استمرار حالة عدم اليقين، وتأجيل تشكيل حكومة مستقرة، وإبقاء الملفات الأمنية والسياسية الكبرى رهينة للصراع الحزبي ،كما أن انتخابات جديدة لن تضمن بالضرورة إنتاج خريطة برلمانية مختلفة، وهو ما يجعلها في بعض الحالات مجرد إعادة إنتاج للأزمة نفسها.
وفي جميع هذه السيناريوهات، يبقى العامل الأمني أحد أكثر العناصر تأثيراً في الناخب الإسرائيلي. فخلال العقدين الأخيرين شهد المجتمع الإسرائيلي تحولات واضحة في الخريطة الحزبية، وتراجع وزن اليسار التقليدي مقابل صعود التيارات اليمينية والدينية والقومية.
واللافت في هذه الانتخابات لم يعد السابع من أكتوبر مجرد حدث أمني أو عسكري في الذاكرة الإسرائيلية، وإنما تحول إلى معيار سياسي يحاكم من خلاله الناخبون أداء الحكومة والقيادة السياسية.
و يحاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره رجل الأمن القادر على إدارة المخاطر الإقليمية، بينما يقدم خصومه الانتخابات بوصفها فرصة لمراجعة الأداء السياسي والأمني وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات. وهنا لا يتعلق الصراع فقط بمن سيكون رئيساً للحكومة، وإنما بأي تصور سياسي ستتبناه إسرائيل في المرحلة المقبلة.
وتبقى الكلمة الأولى لصندوق الاقتراع، والكلمة الحاسمة لاحقا للقدرة على تحويل نتائج الصندوق إلى أغلبية سياسية قابلة للحكم.