اخبار الاردن

جو٢٤

سياسة

بين خبز الأمس وضجيج اليوم… رسالة إلى جيلٍ يبحث عن المعنى

بين خبز الأمس وضجيج اليوم… رسالة إلى جيلٍ يبحث عن المعنى

klyoum.com

بين خبز الأمس وضجيج اليوم… رسالة إلى جيلٍ يبحث عن المعنى

الكابتن اسامة شقمان

خاطرة صباحية:

في هذا الصباح الهادئ، عادت إلى ذاكرتي رواية بائعة الخبز للمؤلف الفرنسي كزافييه دومونتبان (1889)، تلك القصة التي قرأتها أيام كنت على مقاعد الدراسة قبل أكثر من خمسين عامًا. أذكر تمامًا أنني بعد مشاهدتي للفيلم المأخوذ عنها على شاشة السينما، دفعتني مشاعري يومها إلى شراء الكتاب، وكأنني كنت أبحث عن معنى أعمق مما رأيته.

واليوم، وأنا طيّار متقاعد تجاوزت السبعين من العمر، أجدني أستحضر تلك القصة لا كذكرى فقط، بل كرسالة. في زمن التطبيقات والذكاء الاصطناعي، حيث كل شيء سريع ومتاح، يبدو أن المعاني العميقة أصبحت نادرة. تذكرني بائعة الخبز أن الخير لا يُقاس بالكثرة، وأن القناعة ليست ضعفًا، بل قوة داخلية لا يمتلكها إلا من فهم الحياة حقًا.

خاطرة مسائية:

في المساء، حين تهدأ الضوضاء وتنسحب الأصوات، أجلس مع نفسي، لا كمتقاعد فقط، بل كإنسان قطع رحلة طويلة في الحياة، وأحاول أن أكتب… لا لأتذكر فقط، بل لأُرسل رسالة. رسالة إلى جيلٍ أراه يركض كثيرًا، لكنه لا يعرف إلى أين.

أعود إلى بائعة الخبز، تلك الرواية التي كتبها كزافييه دومونتبان، والتي رافقتني منذ شبابي. لم تكن مجرد قصة عن امرأة مظلومة، بل كانت درسًا عميقًا في معنى الإنسان حين يُختبر. "جان فورتيه" لم تكن تملك شيئًا، لكنها لم تفقد نفسها. واليوم، أرى كثيرين يملكون كل شيء… لكنهم فقدوا المعنى.

لقد عشت زمنًا كان الإنسان فيه يقيس نفسه بما يعطي، لا بما يعرض. واليوم، في عصر التطبيقات والذكاء الاصطناعي، أصبح كل شيء قابلًا للعرض… حتى المشاعر. لكن ما لا يُعرض، وما لا يُقاس، هو ما يصنع الإنسان حقًا: الصبر، القناعة، الرحمة، والوفاء.

كطيار، عشت سنوات طويلة في السماء، ورأيت الأرض من علٍ، وتعلمت أن الارتفاع لا يعني دائمًا الرؤية الأوضح. وكذلك هو حال هذا العصر: ارتفعنا كثيرًا في التقنية، لكننا أحيانًا فقدنا وضوح الرؤية.

إن ما نعيشه اليوم من تغيّر في القيم ليس مجرد تطور طبيعي، بل هو اختبار. اختبار لقدرتنا على التمسك بالإنساني في عالم يزداد اصطناعًا. فهل ننجح في الحفاظ على جوهرنا، أم نذوب في سرعة هذا الزمن؟

بائعة الخبز علمتني أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يصبر عليه، وبما يتمسك به حين يفقد كل شيء. واليوم، أكتب هذه الكلمات لا كحنين إلى الماضي، بل كتحذير هادئ، وكأمل أيضًا.

رسالتي إلى هذا الجيل: لا تجعلوا السرعة تُفقدكم المعنى، ولا تجعلوا الوفرة تُنسيكم البركة.

فالحياة ليست بما تملكون، بل بما تفهمون… وليست بما تعرضون، بل بما تعيشون.

وفي هذا المساء، أوقن أن بعض القصص لا تُقرأ مرة واحدة… بل تُفهم على مراحل العمر.

*المصدر: جو٢٤ | jo24.net
اخبار الاردن على مدار الساعة