اخبار الاردن

جو٢٤

سياسة

غياب التنظيم التشريعي للـ(NFT) في قانون حماية حق المؤلف الأردني

غياب التنظيم التشريعي للـ(NFT) في قانون حماية حق المؤلف الأردني

klyoum.com

أخر اخبار الاردن:

الملك يعزي الرئيس التركي

غياب التنظيم التشريعي للـ(NFT) في قانون حماية حق المؤلف الأردني

زيد نائل العدوان

تُعدّ الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) من أبرز مظاهر التحول الرقمي في العصر الحديث، إذ أحدثت نقلة نوعية في مفهوم الملكية الرقمية وتداول المصنفات الإبداعية عبر شبكة الإنترنت، غير أنّ هذا التطور التقني السريع قد أفرز إشكالية قانونية جوهرية تتمثل في غياب تنظيم صريح للـNFT ضمن أحكام قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة الأردني رقم 22 لسنة 1992 وتعديلاته، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى كفاية القواعد التقليدية في القانون السابق ذكره لحماية هذه الأصول الرقمية الجديدة، وحول طبيعة العلاقة بين ملكية الرمز الرقمي وحقوق المؤلف على المصنف المرتبط به.

بادىء ذي بدء؛ يُقصد بالـNFT (Non-Fungible Token) رمز رقمي فريد يُنشأ باستخدام تقنية البلوك تشين، ويُستخدم لإثبات ملكية أصل رقمي معيّن، مثل صورة، أو مقطع موسيقي، أو عمل فني، أو حتى عناصر افتراضية داخل الألعاب الإلكترونية، وتتميّز هذه الرموز بأنها غير قابلة للاستبدال، أي أن كل رمز منها يحمل خصائص فريدة تميّزه عن غيره، بخلاف العملات الرقمية التقليدية مثل البيتكوين التي تتسم بالقابلية للاستبدال، ويُسجَّل هذا الرمز على شبكة لامركزية تضمن عدم التلاعب به، مما يمنح نوعًا من الثقة في إثبات الملكية الرقمية، وإن كان هذا الإثبات يختلف في طبيعته القانونية عن مفهوم الملكية التقليدية.

غير أن الإشكالية القانونية تظهر بوضوح عند الربط بين الـNFT وحقوق المؤلف؛ فامتلاك شخص ما لرمز NFT مرتبط بعمل فني على سبيل المثال لا يعني بالضرورة امتلاكه لحقوق المؤلف على ذلك العمل، إذ تبقى هذه الحقوق، من حيث الأصل، مملوكة للمؤلف ما لم يتم نقلها صراحةً بموجب عقد، وبالتالي، فإن شراء NFT لا يمنح المشتري سوى حق ملكية الرمز ذاته، دون أن يشمل ذلك حق الاستنساخ أو النشر أو التوزيع أو الاستغلال التجاري للمصنف، إلا إذا تم الاتفاق على خلاف ذلك، وهذا التمييز بين ملكية الرمز وملكية الحقوق الفكرية يُعد من أهم النقاط التي تثير اللبس لدى المستخدمين، ويؤكد الحاجة إلى تدخل تشريعي لتوضيح هذه العلاقة.

في السياق الأردني، لا يتضمن قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة نصوصًا صريحة تتناول الأصول الرقمية القائمة على البلوك تشين أو الرموز غير القابلة للاستبدال؛ ما يطرح تحديًا أمام القضاة والباحثين في تكييف هذه الظواهر ضمن الأطر القانونية القائمة؛ فهل يُعد الـNFT يعد مصنفًا بحد ذاته أم مجرد وسيلة لإثبات الملكية؟ وهل تنطبق عليه أحكام نقل الحقوق المنصوص عليها في القانون؟ هذه التساؤلات تكشف عن فجوة تشريعية تستدعي المعالجة، خاصة في ظل ازدياد استخدام هذه التقنية عالميًا.

وعلى الصعيد المقارن، بدأت بعض الدول في التعامل مع هذه الإشكالية من خلال تفسير النصوص القائمة أو إدخال تعديلات تشريعية غير مباشرة، ففي بريطانيا مثلًا؛ أقرت الجهات القضائية والتنظيمية، ضمن إطار القوانين القائمة -خاصة قانون حق المؤلف والتصاميم وبراءات الاختراع لعام 1988 وتعديلاته، بالإضافة إلى التوجيهات القانونية الصادرة عن مكتب الملكية الفكرية البريطاني- على أن الـNFT لا تنقل حقوق المؤلف تلقائيًا، وأنه يجب التمييز بين ملكية الرمز وملكية العمل، كما تم التعامل مع بعض النزاعات المتعلقة بالـNFT من خلال تطبيق القواعد العامة المتعلقة بحقوق النشر والعقود.

أما في فرنسا، فقد كان التوجه أكثر وضوحًا من الناحية التنظيمية، حيث أدرجت السلطات مفهوم الأصول الرقمية ضمن إطار قانوني أوسع يتعلق بتنظيم الأسواق المالية والتقنيات الرقمية، وعلى الرغم من عدم وجود نص خاص بالـNFT في قانون الملكية الفكرية الفرنسي، إلا أن الفقه والقضاء اتجها إلى اعتبار أن بيع NFT لا يؤدي إلى نقل حقوق الاستغلال إلا إذا تم النص على ذلك صراحة، كما أبدت الجهات التنظيمية، مثل هيئة الأسواق المالية، اهتمامًا متزايدًا بهذه الظاهرة، خاصة من حيث علاقتها بحماية المستهلك ومكافحة الاحتيال.

يتضح من خلال التجارب المقارنة أن الاتجاه الغالب يتمثل في محاولة استيعاب ظاهرة الـNFT ضمن القواعد التقليدية لحق المؤلف، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين الملكية الرقمية والحقوق الفكرية، غير أن هذا الحل قد لا يكون كافيًا على المدى الطويل، خاصة مع تطور استخدامات هذه الرموز وتوسعها لتشمل مجالات متعددة، مثل العقود الذكية، والأعمال الفنية التفاعلية، والميتافيرس.

وانطلاقًا من ذلك، يُصبح من الضروري أن يتدخل المشرع الأردني لتنظيم مسألة الـNFT بشكل صريح، سواء من خلال تعديل قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة، أو من خلال إصدار تشريع خاص بالأصول الرقمية، وينبغي أن يتضمن هذا التنظيم تعريفًا واضحًا للـNFT، وتحديدًا لطبيعته القانونية، وبيانًا للعلاقة بينه وبين حقوق المؤلف، إضافة إلى وضع قواعد تنظم نقل الحقوق المرتبطة به، وتحدد مسؤولية المنصات الرقمية التي تتداول هذه الرموز.

كما يجب أن يراعي هذا التنظيم تحقيق التوازن بين حماية حقوق المؤلفين وتشجيع الابتكار الرقمي، بحيث لا يُعيق التطور التكنولوجي، ولا يترك في الوقت ذاته مجالًا للانتهاكات أو الغموض القانوني، فالتقنيات الحديثة، رغم ما تحمله من فرص، تفرض تحديات جديدة تتطلب استجابة تشريعية مرنة وواعية.

وخلاصة القول، إن الـNFT تمثل تطورًا مهمًا في عالم الاقتصاد الرقمي، لكنها تثير في الوقت ذاته إشكاليات قانونية معقدة، خاصة في مجال حق المؤلف، وفي ظل غياب تنظيم صريح لها في التشريع الأردني؛ تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل المشرع لتأطير هذه الظاهرة، والاستفادة من التجارب المقارنة، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق الأمن القانوني في البيئة الرقمية الحديثة.

*المصدر: جو٢٤ | jo24.net
اخبار الاردن على مدار الساعة