اخبار الاردن

جو٢٤

سياسة

الطاقة واختبار صلابة الاقتصاد الأردني

الطاقة واختبار صلابة الاقتصاد الأردني

klyoum.com

الطاقة واختبار صلابة الاقتصاد الأردني

د. عدلي قندح

في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات، لم تعد أسواق الطاقة مجرد انعكاس لميزان العرض والطلب، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد الكلي، حيث تسبق التوقعات الوقائع، وتُسعَّر المخاطر قبل أن تتحقق. وفي هذا السياق، يواجه الاقتصاد الأردني اختباراً مركباً، لا يتعلق فقط بتأمين الطاقة، بل بقدرته على إدارة كلفتها ضمن حدود الاستدامة المالية والنقدية.

الأردن، الذي يستورد ما يزيد على 90% من احتياجاته من الطاقة، يبقى عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وهو ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد التي تشكل بحدود 8% إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي في الظروف الطبيعية، وقد تتجاوز ذلك في حالات الصدمات. ومع كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط، ترتفع الفاتورة النفطية بما يقارب 300 إلى 400 مليون دينار سنوياً، أي ما يعادل نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة كفيلة بإعادة تشكيل التوازنات المالية.

في الأيام الأخيرة، تعكس المؤشرات والتغطيات المحلية أن الحكومة الأردنية تتحرك ضمن إطار "الإدارة التكيفية للصدمات”، من خلال الحفاظ على آلية التسعير الشهرية، والتي تسمح بتمرير تدريجي للأسعار دون إحداث صدمات تضخمية حادة، إلى جانب الإبقاء على الضرائب النوعية كأداة مرنة للتدخل عند الضرورة. كما تشير البيانات إلى أن الأردن يحتفظ بمخزون استراتيجي من المشتقات النفطية يغطي ما بين 60 إلى 90 يوماً، وهو ما يعزز أمن التزود ويحد من مخاطر الانقطاع.

لكن التحدي لا يتوقف عند الإمدادات، بل يمتد إلى المالية العامة، حيث تشكل فاتورة الطاقة أحد أهم مصادر الضغط غير المباشر. فشركة الكهرباء الوطنية، التي ما تزال تتحمل فجوة مالية هيكلية، قد تواجه ارتفاعاً في كلف التوليد في حال ارتفاع أسعار الوقود، وهو ما قد يعيد إنتاج العجز بشكل غير مباشر. وفي هذا السياق، يمكن استحضار مقولة الاقتصادي John Maynard Keynes: "الصعوبة لا تكمن في تبني أفكار جديدة، بل في التحرر من الأفكار القديمة”، في إشارة إلى أن إدارة صدمات الطاقة تتطلب إعادة تفكير في أدوات السياسة المالية، لا مجرد تكرار لآليات الدعم التقليدية.

من زاوية نظرية، يمكن تفسير ما يواجهه الاقتصاد الأردني من خلال إطار "صدمات العرض السلبية” في الاقتصاد الكلي، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى انتقال منحنى العرض الكلي إلى اليسار، ما ينتج عنه مزيج من التضخم وتباطؤ النمو، وهي الحالة التي وصفها الاقتصادي Milton Friedman بأنها "ضريبة خفية تفرضها الصدمات على الاقتصادات المفتوحة”. وتشير التقديرات إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يرفع معدل التضخم في الأردن بما يتراوح بين 1% إلى 1.5% إضافية، خاصة عبر قنوات النقل والغذاء، في حين قد يؤدي إلى خفض النمو المتوقع لعام 2026 بنحو 0.7 نقطة مئوية.

ورغم هذه التحديات، فإن الأردن أحرز تقدماً مهماً في تعزيز مرونته الطاقية، حيث ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة إلى ما يقارب 27% من توليد الكهرباء، وهي نسبة متقدمة إقليمياً، كما ساهمت اتفاقيات الغاز طويلة الأجل في تثبيت جزء من كلف الطاقة. إلا أن هذه المكتسبات، رغم أهميتها، لا تلغي حساسية الاقتصاد لتقلبات النفط، خاصة في قطاع النقل الذي يعتمد بشكل شبه كامل على المشتقات النفطية.

وفي هذا السياق، أجد أن هذه التطورات تنسجم مع ما طرحته سابقاً في كتاباتي حول مفهوم "الهشاشة المركبة للاقتصادات الصغيرة المفتوحة”، حيث أكدتُ أن جوهر الخطر لا يكمن في الصدمة بحد ذاتها، بل في تزامنها مع اختلالات هيكلية قائمة. وهذا ما ينطبق بوضوح على حالة الطاقة في الأردن، حيث تتقاطع كلف الاستيراد المرتفعة مع تحديات المديونية والعجز المالي، بما يعمّق من أثر الصدمة ويضاعف من تعقيد إدارتها.

كما يمكن ربط الحالة الأردنية بمفهوم "المرونة الاقتصادية الديناميكية” الذي برز في الأدبيات الحديثة، والذي يؤكد أن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات لا تعتمد فقط على تنويع المصادر، بل على سرعة التكيف المؤسسي والسياساتي. وهنا تبرز أهمية الانتقال من سياسات رد الفعل إلى سياسات الاستباق، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة عميقة في أنماط الاستهلاك والإنتاج.

إن انعكاسات هذه التطورات على النمو الاقتصادي تبدو واضحة، حيث يؤدي ارتفاع كلف الطاقة إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، والتي تشكل ما يزيد على 70% من الطلب الكلي، كما يضغط على هوامش الربحية في القطاع الصناعي، ويؤدي إلى تأجيل الاستثمارات، خاصة في القطاعات كثيفة الطاقة. وفي المقابل، يلوح في الأفق خطر عودة التضخم المدفوع بالطاقة، ليس كموجة حادة، بل كاتجاه تصاعدي تدريجي يعيد تشكيل توقعات السوق.

في المحصلة، فإن التحدي الذي يواجه الأردن اليوم ليس في التعامل مع صدمة آنية، بل في إدارة سيناريو ممتد قد يعيد رسم ملامح الاقتصاد. ومن هنا، يمكن طرح مجموعة من التوصيات العملية:

أولاً، تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها إلى أكثر من 40% خلال السنوات الخمس القادمة.

ثانياً، إعادة هيكلة قطاع النقل عبر التوسع في النقل الكهربائي لتقليل الاعتماد على النفط.

ثالثاً، تطوير أدوات مالية مبتكرة للتحوط ضد تقلبات أسعار النفط، مثل عقود التحوط المستقبلية.

رابعاً، تعزيز كفاءة الطاقة في القطاعين العام والخاص، بما يخفض الاستهلاك بنسبة لا تقل عن 10%.

خامساً، إعادة تصميم السياسة الضريبية على الطاقة بشكل يوازن بين الإيرادات والاستقرار الاجتماعي.

تبقى الحقيقة الأبرز أن الطاقة لم تعد مجرد مدخل إنتاج، بل أصبحت متغيراً استراتيجياً يعيد تشكيل معادلات النمو والاستقرار، وأن قدرة الأردن على تحويل هذه التحديات إلى فرصة ستحدد موقعه في خريطة الاقتصاد الإقليمي في السنوات القادمة.

*المصدر: جو٢٤ | jo24.net
اخبار الاردن على مدار الساعة