اخبار الاردن

جو٢٤

سياسة

صمت الذهب وحكمة المتوسط

صمت الذهب وحكمة المتوسط

klyoum.com

صمت الذهب وحكمة المتوسط

د. عدلي قندح

في عالمٍ تتقاذفه تقلبات الأسواق وتتنازع فيه القرارات بين الخوف والطمع، يبرز مفهوم متوسط التكلفة (Cost Averaging) كأحد أكثر الاستراتيجيات هدوءًا وعمقًا، لا بوصفه مجرد أداة استثمارية، بل كفلسفة سلوكية تعيد تشكيل علاقة المستثمر مع الزمن والمخاطر.

يقوم هذا المفهوم، في جوهره، على مبدأ بسيط لكنه بالغ الذكاء: استثمار مبلغ ثابت بشكل دوري في أصل مالي معين بغضّ النظر عن سعره السوقي. وبهذا، يشتري المستثمر عددًا أكبر من الوحدات عندما تكون الأسعار منخفضة، وعددًا أقل عندما تكون مرتفعة، مما يؤدي في النهاية إلى تخفيض متوسط تكلفة الشراء عبر الزمن. هذه الآلية لا تسعى إلى "توقيت السوق”، بل إلى "ترويضه”.

لكن ما يجعل هذا المفهوم عميقًا ليس بساطته التقنية، بل خلفيته النظرية والسلوكية. فـ”متوسط التكلفة” يرتكز ضمنيًا على مبادئ التمويل السلوكي الذي يواجه الانحيازات البشرية مثل الخوف من الخسارة والانجراف وراء القطيع. وهنا يتحول الاستثمار من فعلٍ عاطفي إلى عملية منضبطة، تُدار وفق قواعد ثابتة، لا وفق ردود فعل آنية.

أما من الناحية التاريخية، فلا يُنسب هذا المفهوم إلى شخص واحد بشكل حاسم، لكنه ارتبط بشكل وثيق بأفكار رواد الاستثمار المؤسسي في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، خاصة في سياق تطوير صناديق الاستثمار المشترك. وقد تم الترويج له بشكل واسع من قبل خبراء الاستثمار مثل Benjamin Graham، الأب الروحي للاستثمار القيمي، الذي دعا إلى تقليل أثر التقلبات عبر الاستثمار المنهجي طويل الأجل، وكذلك من خلال المدرسة التي تأثر بها لاحقًا Warren Buffett، الذي شدد على أهمية الاستمرارية والانضباط بدلًا من المضاربة.

تكمن أهمية هذه الاستراتيجية في الاستثمار طويل المدى في قدرتها على تحييد عامل التوقيت، وهو العامل الأكثر صعوبة وخطورة في الأسواق المالية. فبدلًا من محاولة التنبؤ بالقمم والقيعان، والتي غالبًا ما تفشل حتى مع المحترفين، يتيح متوسط التكلفة للمستثمر الدخول التدريجي إلى السوق، مما يقلل من مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة في لحظات الذروة أو الانهيار.

وعند تطبيق هذه الاستراتيجية على فئات الأصول المختلفة، تتجلى أبعادها بشكل أكثر وضوحًا: في الذهب والفضة، حيث تتأثر الأسعار بعوامل جيوسياسية وتضخمية، يسمح متوسط التكلفة ببناء مركز استثماري تدريجي يخفف من أثر التذبذبات الحادة. وفي الأسهم، التي تمثل أصولًا ذات تقلبات مرتفعة ولكن عوائد طويلة الأجل مجزية، تُعد هذه الاستراتيجية وسيلة فعالة لتقليل المخاطر النفسية. أما في السندات، فرغم استقرارها النسبي، فإن تطبيق متوسط التكلفة يساعد في إدارة مخاطر أسعار الفائدة، خاصة في البيئات الاقتصادية المتغيرة.

غير أن المشهد الراهن يكشف مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها: لماذا لا يرتفع الذهب رغم تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، بما في ذلك التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل؟

الإجابة تكمن في تحوّل عميق في بنية "الملاذ الآمن”. تاريخيًا، كان الذهب هو المستفيد الأول من الأزمات، لكن في المرحلة الحالية، نشهد انتقالًا واضحًا لهذا الدور نحو الدولار الأمريكي. فمع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية، تتحقق مفارقة اقتصادية: الولايات المتحدة، التي أصبحت مصدرًا صافيًا للطاقة، تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر تعزيز تدفقات الدولار وتحسين ميزانها التجاري النسبي، ما يدعم قوة عملتها. ومع ارتفاع العوائد على أدوات الدين الأمريكية، يصبح الاحتفاظ بالدولار أكثر جاذبية من الذهب الذي لا يدرّ عائدًا.

هكذا، يفقد الذهب جزءًا من بريقه كملاذ آمن، ليس لأنه لم يعد أصلًا ذا قيمة، بل لأن النظام المالي العالمي يعيد ترتيب أولوياته. الملاذ الآمن لم يعد فقط "أصلًا نادرًا”، بل أصبح "أصلًا يولّد عائدًا ويحظى بسيولة عالمية فورية”، وهو ما يتفوق فيه الدولار حاليًا.

وهنا تتقاطع هذه التحولات مع مفهوم متوسط التكلفة بطريقة عميقة: فبدلًا من الرهان على ردود فعل آنية للأحداث الجيوسياسية، يقدّم متوسط التكلفة إطارًا عقلانيًا للاستثمار في أصول قد تمر بمراحل ضعف مؤقتة—مثل الذهب—دون الوقوع في فخ التوقيت الخاطئ. فالمستثمر الذي يدرك أن التحولات في "الملاذات الآمنة” قد تكون دورية، لا آنية، سيجد في هذه الاستراتيجية وسيلة للاستفادة من الأسعار المنخفضة نسبيًا، بدلًا من الهروب منها.

في المحصلة، يمكن القول إن متوسط التكلفة علاوة على كونه تقنية استثمار، هو ايضا انضباط زمني، وفلسفة نفسية، وآلية لفهم التحولات العميقة في الأسواق. إنه يعيد تعريف العلاقة بين المستثمر واللايقين، ويمنحه القدرة على الاستثمار بثقة، حتى في عالمٍ لم يعد الذهب فيه دائمًا ملك الأزمات.

*المصدر: جو٢٤ | jo24.net
اخبار الاردن على مدار الساعة