اخبار الاردن

وكالة عمون الاخبارية

سياسة

حين يُترك المواطن بين غياب النقل الآمن وجنون الطريق

حين يُترك المواطن بين غياب النقل الآمن وجنون الطريق

klyoum.com

* خللٌ في منظومة الحياة لا في حركة السير وحدها

إن غياب منظومة نقل عام جماعي عصرية وآمنة وموثوقة، بالتزامن مع السرعة الجنونية والاستهتار بقوانين المرور، لا يصنع أزمة مواصلات فحسب، بل يكشف عن خلل تنموي واقتصادي واجتماعي ونفسي وسياحي يدفع المواطن الأردني ثمنه من عمره وماله وأعصابه، وقد يدفعه أحيانًا من حياته.

والسؤال الذي ينبغي أن يؤنب ضمائرنا جميعًا: هل يُعقل أن يبقى المواطن أسير مركبته الخاصة، وكلف الوقود والصيانة والازدحامات، أو مضطرًا لاستخدام وسائل نقل لا تلبي احتياجاته، ثم نطالبه في الوقت نفسه بتحمل مخاطر طريق لا يلتزم فيه البعض بأبسط قواعد السلامة؟

المسألة أعمق من مخالفات مرورية، وأكبر من حوادث متفرقة، وأبعد من حلول موسمية. إنها قضية كرامة إنسانية وعدالة في الوصول إلى العمل والتعليم والعلاج والخدمات، وقضية إنتاجية وطنية تُهدر في الطرق، وأسرٍ تعيش القلق على أبنائها، وسياحٍ ينبغي أن يجدوا في الأردن بلدًا آمنًا ومريحًا وسهل التنقل.

اقتصاديًا، تستنزف المركبات الخاصة دخول الأسر، وتستهلك موارد الدولة في البنية التحتية والازدحامات والحوادث، وتُهدر ساعات العمل والإنتاج. اجتماعيًا، تتراجع فرص من لا يملك مركبة في الوصول إلى الفرص والخدمات. نفسيًا، يتحول الطريق اليومي إلى مصدر توتر وخوف. وسياحيًا، لا تكتمل صورة الوجهة السياحية المتميزة من دون شبكة نقل منظمة وآمنة ومريحة تربط المدن والمواقع السياحية بعضها ببعض.

لكن الأخطر أن نعتاد هذا الواقع حتى يصبح جزءًا طبيعيًا من حياتنا؛ أن نسمع عن حادث جديد فنحزن قليلًا، ثم نعود إلى يومنا، وكأن الأرواح التي تُزهق والأسر التي تتفكك والخسائر التي تتراكم مجرد أرقام عابرة.

إن المسؤولية هنا مشتركة، لكنها ليست متساوية في طبيعتها: فالسائق مسؤول عن سلوكه والتزامه، والجهات المختصة مسؤولة عن الرقابة والإنفاذ والتخطيط، والحكومة مسؤولة عن توفير بدائل نقل عام فعّالة وآمنة ومناسبة التكلفة، والمؤسسات المعنية مطالبة بالتنسيق والعمل ضمن منظومة واحدة، لا ضمن إجراءات متفرقة تعالج كل مشكلة بمعزل عن الأخرى.

ولا يجوز أن نختزل الحل في تغليظ المخالفات وحده، كما لا يجوز أن نتذرع بغياب النقل العام لتبرير الاستهتار بأرواح الناس. المطلوب مساران متلازمان: طريقٌ لا يتسامح مع السلوك الخطر، ونقلٌ عام يجعل الاستغناء عن المركبة الخاصة خيارًا ممكنًا ومريحًا وموثوقًا.

نحتاج إلى منظومة نقل جماعي حديثة ومتكاملة، وحافلات منتظمة بمواعيد معلنة، ومحطات ملائمة، وربط فعّال بين المدن والأحياء ومراكز العمل والجامعات والمستشفيات والمواقع السياحية. ونحتاج، بالتوازي، إلى رقابة مرورية ذكية ومستمرة، وإنفاذ عادل للقانون، ومتابعة لسلوك السائقين، وتأهيل حقيقي لمستخدمي الطريق، وتطوير هندسي للطرق والنقاط السوداء التي تتكرر فيها الحوادث.

إن بناء هذه المنظومة ليس رفاهية مؤجلة إلى أن تتحسن الظروف الاقتصادية؛ بل هو أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تحسينها، من خلال خفض كلف التنقل، وتقليل الخسائر البشرية والمادية، ورفع الإنتاجية، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز تنافسية السياحة الأردنية.

فلنتوقف عن سؤال: كيف نعالج أزمة السير اليوم؟ ولنبدأ بسؤال أكثر عمقًا: كيف نبني نظام تنقل يحمي الإنسان، ويحفظ وقته وماله، ويصون كرامته، ويدعم اقتصاد وطنه؟

فالدولة التي تطمح إلى التنمية لا يكفيها أن تشق الطرق وتعبّدها؛ بل عليها أن تضمن أن تكون هذه الطرق جزءًا من منظومة حياة آمنة ومنتجة. والمجتمع الذي يحترم الإنسان لا يكتفي برثاء الضحايا، بل يعمل على منع سقوط ضحايا جدد.

إن استمرار هذا الواقع ليس قدرًا محتومًا، لكنه يصبح كذلك حين نتعايش معه، ونؤجل مواجهته، ونكتفي بتبادل اللوم. أما الحل الجذري فيبدأ حين ندرك أن النقل الآمن ليس خدمة هامشية، وأن الالتزام المروري ليس شأنًا فرديًا معزولًا، وأن حياة الإنسان ليست كلفة جانبية للتنمية.

فكم من وقتٍ نهدر؟ وكم من مالٍ نستنزف؟ وكم من أسرةٍ نتركها تعيش الخوف؟ وكم من فرصةٍ اقتصاديةٍ وسياحيةٍ نضيّع، قبل أن نقرر أن النقل الآمن والمنظم حقٌّ للمواطن وأولوية وطنية لا تحتمل التأجيل؟

هذه أسئلة تستحق أن تتحول إلى برنامج عمل وطني، بأهداف قابلة للقياس، ومسؤوليات واضحة، وجدول زمني معلن، ومحاسبة على النتائج؛ لأن الضمير الوطني لا يُقاس بمدى تأثرنا بالمأساة بعد وقوعها، بل بقدرتنا على منعها قبل أن تقع.

*المصدر: وكالة عمون الاخبارية | ammonnews.net
اخبار الاردن على مدار الساعة