اخبار مصر

بوابة الأهرام

ثقافة وفن

وحيد حامد.. فيلسوف البسطاء وصانع الوعي

وحيد حامد.. فيلسوف البسطاء وصانع الوعي

klyoum.com

​في تاريخ الفن العربي، ثمة مبدعون لا يرحلون برحيل أجسادهم، بل تزداد حيوية حضورهم مع كل تفصيلة نعيشها في واقعنا المعاصر. ومن بين هؤلاء الخالدين، يبرز اسم الكاتب وحيد حامد؛ "فيلسوف البسطاء" وصاحب القلم التنويري الشجاع. لم يكن الراحل مجرد سيناريست يكتب قصصاً للسينما والتليفزيون، بل كان مؤرخاً سينمائياً ووجداناً نابضاً رصد تحولات المجتمع المصري والعربي على مدار عقود.

فيلم طيور الظلام

​منذ أن خطت يداه أولى كلماته، اتخذ من "المواطن المطحون" بطلاً، ومن "الوطن" قضية، فغاص في عمق الحارة المصرية، وواجه "طيور الظلام" بشجاعة. فكك وحيد حامد خيوط الإرهاب، والفساد، والبيروقراطية بعبقرية وبساطة، فصارت جمل حواره السينمائي حِكماً وأقوالاً مأثورة تجري على ألسنة الناس حتى اليوم، تاركاً بصمة فكرية لا تُمحى من الذاكرة الفنية.

وحيد حامد و الفنان عادل امام

​اشتهر وحيد حامد بثنائيته التاريخية مع النجم عادل إمام والمخرج شريف عرفة، حيث شكلوا معاً مثلثاً إبداعياً قدم أفلاماً تُصنف كعلامات فارقة في تاريخ السينما العربية. ومن هذه الأعمال فيلم "الإرهاب والكباب" الذي قدم كوميديا سوداء ناقشت البيروقراطية والإحباط الاجتماعي في قالب ساخر ومبدع، وفيلم "طيور الظلام" الذي يعد من أجرأ أعماله لكونه فكك الصراع بين الفساد السياسي والتيارات الدينية المتشددة. كما قدم فيلم "اللعب مع الكبار" لمناقشة المسؤولية الفردية للمواطن تجاه الفساد، وفيلم "المنسي" الذي تناول الفوارق الطبقية والتوحش الرأسمالي بلمسة إنسانية، بالإضافة إلى فيلم "النوم في العسل" الذي ناقش عجز المجتمع ومشاكله المستورة خلف جدار الصمت عبر إسقاط سياسي ذكي.

فيلم البرئ

​ولم تتوقف إبداعاته السينمائية عند هذا الحد، بل تعاون مع المخرج عاطف الطيب في الفيلم السياسي شديد الأهمية "البريء"، ليفكك مفهوم الطاعة العمياء وتحوير الحقائق لدى الجنود البسطاء. كما صاغ سيناريو فيلم "عمارة يعقوبيان" المقتبس عن رواية علاء الأسواني ليرصد التغيرات الاجتماعية والطبقية، وقدم فيلم "احكي يا شهرزاد" لمناقشة قضايا المرأة والاضطهاد المجتمعي، بجانب الفيلم الكوميدي الاجتماعي الشهير "غريب في بيتي" من بطولة سعاد حسني ونور الشريف.

​لم تقتصر عبقرية وحيد حامد على السينما بل امتدت إلى التليفزيون بمسلسلات تركت أثراً عميقاً في وجدان المشاهد العربي. ويأتي على رأس هذه الأعمال مسلسل "الجماعة" بجزئيه، وهو عمل تأريخي ضخم رصد نشأة جماعة الإخوان المسلمين وتطورها بالاعتماد على وثائق ومراجع دقيقة. كما يعد مسلسل "العائلة" من أوائل الأعمال التي ناقشت قضية التطرف الديني والإرهاب في الأحياء الفقيرة بشكل مباشر وعميق.

​وفي سياق متصل، قدم مسلسل "بدون ذكر أسماء" ليرصد التحولات السياسية والاجتماعية ونمو التيارات الفكرية المختلفة في فترة الثمانينيات، بينما ناقش مسلسل "أوان الورد" بشكل راقٍ وجريء العلاقات الاجتماعية والوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط. ولا يمكن نسيان مسلسل "البشاير" الذي حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً كعمل اجتماعي كوميدي جمع بين محمود عبد العزيز ومديحة كامل.

​في أحد لقاءاته التليفزيونية الشهيرة مع الإعلامية إسعاد يونس في برنامج "صاحبة السعادة"، روى الكاتب الكبير محطات من رحلته الشخصية، مؤكداً أنه فلاح نشأ على عادات وتقاليد الريف المصري، وهو ما ساهم بشكل كبير في تشكيل هويته وشخصيته.

​وعندما انتقل إلى القاهرة في بداية الستينيات، بدأ يتعرف على عالم آخر يضج بالمسارح، وقاعات السينما، والمكتبات. ومع بداية عمله في الإذاعة، بدأت ملامح اسمه تتشكل، مدفوعاً بحرصه الدائم على العيش في وسط المجتمع وعدم التخلي عن تواجده اليومي في الشارع المصري. وفي تلك الفترة، تعرف على الأديب العالمي نجيب محفوظ على مقهى الفيشاوي، وحضر إحدى ندواته، لتنشأ بينهما علاقة فكرية وإنسانية ممتدة.

​أشار وحيد حامد إلى أن عام 1977 كان نقطة تحول في اهتمامه بالشان السياسي، وهو ما دفعه للتفكير في فيلم "البريء"، كما قدم فيلم "ملف في الآداب" انطلاقاً من كراهيته الشديدة لفكرة الظلم، مستنداً إلى مواقف واقعية تعرض لها في حياته، مما شكل لديه رصيداً طويلاً من المشاهدات الحية.

​وعن سر نجاح أعماله، أكد أنه لم يتعالَ يوماً على الجمهور، بل استخدم لغة بسيطة تصل إلى قلوبهم وعقولهم بسهولة. وتتجلى فلسفته الفنية في مشهدين عبقريين؛ الأول في فيلم "الإرهاب والكباب" حين يبدأ البطل في سؤال الرهائن عن أمنياتهم، لتأتي الإجابات معبرة عن أحلام بسيطة لا تتعدى وجبة طعام، وهو ما يعكس طاقة القهر لدى أشخاص بلا تطلعات. وقد اختار الكاتب "مجمع التحرير" تحديداً لأنه يضم كافة شرايين الحياة، وكان حريصاً على أن يأتي الحل جماعياً بتعاون الجميع وليس حلاً فردياً.

​أما المشهد الثاني فكان في فيلم "النوم في العسل"، حيث كان لوحيد حامد السبق في التنبؤ بنبض الشارع من خلال مشهد الصرخة الجماعية أمام مجلس الشعب، للتأكيد على أن نواب البرلمان هم حماة كرامة الشعب، وهو المشهد ذاته الذي تجسد واقعياً وبشكل مدهش في أحداث ثورة 25 يناير.

​كشف الكاتب الراحل أن فيلم "طيور الظلام" كُتب في خضم الأحداث الإرهابية، ولأنه كان من إنتاجه الخاص، فقد تعرض لخسارة مادية فادحة؛ حيث أحجمت معظم دور العرض والدول العربية عن شرائه وتوزيعه خوفاً من ردود الفعل العنيفة، فضلاً عن الهجوم الضاري الذي تعرض له الكاتب من الجماعات المتشددة.

​ورغم تلك العقبات، حظي الفيلم باستقبال جماهيري حافل عند عرضه على شاشات التلفزيون، ونجح في إيصال رسالته كاملة، ليعتبره الجمهور والنقاد اليوم بمثابة "وثيقة تاريخية" حية تقرأ الواقع بدقة شديدة.

*المصدر: بوابة الأهرام | ahram.org.eg
اخبار مصر على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com