اخبار اليمن

شبكة الأمة برس

ثقافة وفن

الطريق إلى هناك

الطريق إلى هناك

klyoum.com

مريم الفارسي *

لم تكن وردة تفكر في شيء تقريبًا حينما كان التاكسي يطوي بها المسافة إلى هناك. كان عقلها مخدرًا وفارغًا تمامًا. لا تعلم لماذا تذهب إلى هناك كمن يساق إلى زنزانة يائسًا بدون أن يفكر في الفرار، أو كمن يساق إلى قدره المحتوم مغمض العين والبصيرة، ففي النهاية لا أحد يجابه أقداره.

يحدث أن تصيب الذاكرة حالة من الشلل المؤقت، يحدث هذا معها هي بالذات. إنها مثل آلة دفاعية تشهرها في وجه الذكريات المؤلمة التي تعج داخل رأسها دفعة واحدة حتى يكاد ينفجر، ثم بعدها تنسى كل شيء قبل أن تنهار التفاصيل فوق رأسها واحدة تلو الآخرى... لكن بعد أن يفوت الأوان وبعد أن يأكل الندم عقلها وقلبها ولسانها أيضًا.

كانت قبل عامين فقط تطير إلى هناك بخفة الفراشات، تحس أنها ذاهبة إلى الأمان المطلق، لكن ما الذي يعنيه أن تذهب إلى الأمان المطلق؟ ففي النهاية ما من أحد في العالم يخذلنا أكثر ممن أحببناهم برقة العالم كله وعنفه أيضا ورغم ذلك ما تزال تحاول الذهاب إلى هناك.

أسندت وردة رأسها المتعب على زجاج نافذة السيارة، شعرت بخلخالها الفضي يضغط على كاحلها تحت الثوب الطويل الذي اختارته بعناية لتخفي معالم جسدها، وراحت تتأمل أزقة سلا. لقد كرهت هذه المدينة كثيرا بقدر ما أحبتها فيما مضى... توقف التاكسي بعنف فجأة، أحست أن معدتها ستخرج من فمها من شدة الهلع. كاد السائق أن يدهس رجلًا ألقى بنفسه أمامه.

"لا بد أنه أحمق لقد صار عدد المجانين في هذه المدينة يوازي عدد سكانها"، ردّد السائق وأكمل المسير كأن لا شيء حدث...

ظلت هذه الجملة تنهش رأس وردة "لا بد أنه أحمق"... ما الذي يعنيه أن تكون عاقلًا في هذه البلاد؟ ثم إنها الآن وهي تذهب إلى هناك تشبه إلى حد كبير هذا الرجل الذي كاد أن يموت دعسًا تحت العجلات... هل هذا يعني أنها حمقاء أيضًا؟

قبل أن تجد جوابًا على كل هذه الأسئلة توقف التاكسي، لقد وصلت أخيرًا إلى هناك إلى حيث بدأ كل شيء وتفجر.

ترجلت من السيارة، ووقفت أمام باب منزل أسرتها الذي ظل مغلقًا في وجهها لعامين كاملين، وتحديدًا منذ تلك اللحظة التي قررت فيها أن تصبح... راقصة.

قبل أن ترفع يدها المرتعشة نحو الجرس، اخترقها صوت ما: "إنهم لن يغفروا لكِ يا وردة".

* صحافية وقاصة من المغرب.

*المصدر: شبكة الأمة برس | thenationpress.net
اخبار اليمن على مدار الساعة