لعبده وازن : «الحياة ليست رواية».. حكاية القارئ الذي هو أنا
klyoum.com
أخر اخبار اليمن:
انعقاد المؤتمر التأسيسي الأول لتحالف عماد في حضرموتبروين حبيب*
لا يبقى من بعض الروايات التي نقرأها سوى خطوط غائمة تتلاشى بسرعة بعد فترة وجيزة من فراغنا منها، في حين لا نستطيع الفكاك من قبضة أفكار أو أشخاص روايات أخرى، رواية عبده وازن «الحياة ليست رواية» (الصادرة عن منشورات المتوسط 2025) خرجتُ عند إنهائها – إضافة لمتعة قراءة رواية مشوّقة – بقائمة طويلة من عناوين الروايات التي يجب أن أقرأها، وبقائمة أخرى لروائيين يلزمني التعرف عليهم. وقد راودني إحساس طريف بأنني يمكن أن أستخرج من رواية وازن ما يشبه قائمة منشورات لروايات عالمية في أغلبها.
قرابة 300 صفحة من دون فصول ولا فراغات في الصفحات، تيار من الكلمات متدفق ظاهره قصة حب طويلة، أشبه بنشيد الأناشيد في ثوب حديث، وباطنه دائرة معارف مصغرة عن كل ما يتعلق بفن الرواية. حتى تتماهى فيها الرواية بالحياة، رغم أن العنوان «الحياة ليست رواية « يقول عكس ذلك، والشخصية الأساسية في الرواية كانت واعية لهذه المفارقة، حين جاء على لسانها «أحب الحياة بصفتها رواية، رواية لا نهاية لها، لكن الحياة قد لا تكون رواية في أحيان كثيرة»، ولكنها تبقى بالنسبة لهذه الشخصية حلما عاشته واقعا «كم حلمت برواية لا تنتهي مهما قرأت فيها، رواية طويلة كالحياة نفسها».
نحن في نص عبده وازن أمام ما يشبه دمية الماتريوشكا الروسية، حيث نجد رواية داخل رواية، تتحدث عن أشخاص إما يكتبون رواية، أو يحلمون أو يكونون جزءا منها، كما جاء على لسان جوسلين إحدى الشخصيات الرئيسية «ليت أحدا يكتب روايتنا، وستكون رواية جميلة غريبة». ولأن الرواية تحتاج إلى قارئ لا ينتظر الكاتب طويلا ليخبرنا بذلك، بل يجابهنا بهذه الحقيقة، ابتداء من جملته الافتتاحية الأولى القصيرة «أنت القارئ»، وهذا القارئ الذي لا نعرف له اسما على امتداد صفحات الكتاب هو الشخصية المركزية والراوي، ويمكن رسم صورة له بأنه شاب ثلاثيني ابن عائلة ميسورة كفته همّ طلب رزقه، درس الأدب الفرنسي في الجامعة ولم يتمّ دراسته وحوّل شقته إلى مكتبة ضخمة يعايش فيها الكتب أكثر من معايشة الناس، متخذا من القراءة مهنة، من دون راتب، يصف نفسه بأنه «شخص مريض بالقراءة مشغوف بها يعيشها يتنفسها يشربها شخص مصاب بمرض القراءة الذي لا شفاء منه»، يقرأ الروايات خاصة لا هروبا من ملل أو فراغ أو تسلية أو تزجية للوقت، بل القراءة عنده طريقة حياة وطريقة وجود. يقرر بعد أن مرّ بتجربة حب موجعة وتجربة فقدان أوجع، أن يكتب رواية رغم أنه يذكرنا دائما بقوله «أنا لست كاتبا، ولم أصبح كاتبا رغم ما قرأت وأقرأ»، ولكنه يحاول كتابة رواية.
ثالوث الرواية الرئيسي مكوّن من الراوي، الذي لا نعرف له اسما سوى «القارئ»، وجارته المؤقتة الفرنسية اللبنانية جوسلين، التي جاءت من فرنسا بحثا عن ذكريات أب اغتالته حواجز الذبح على الهوية أيام الحرب اللبنانية، وجوزف توأم روح الراوي وصديقه منذ الطفولة إلى وفاته بعد أن صدمته سيارة وبقي مدة في غيبوبة. العلاقة بين الثالوث ملتبسة، فالراوي يحب جوسلين حبا جارفا، في الوقت الذي تحب فيه صديقه جوزف، الذي يبادلها الحب لكن بدرجة أخف، ولكن اللافت هذه النزعة المازوشية عند «القارئ» فهو راض بهذه الوضعية الشاذة من العلاقة، بل يتلذذ بها فيصف نفسه بأنه أصبح «شخصا مازوشيا، شخصا يتألم ويسرّ بألمه، شخصا مجروحا يتمتع بجروحه، شخصا ذليلا، شخصا يحب أن يكون مذلولا» ويردد مرارا «أحب هذا العذاب الذي تذيقني إياه قصدا أو سهوا»، إلى درجة أن يسمح لمحبوبته أن تعيش قصة حبها بجموحها الجسدي مع صديقه في منزله، بينما يبقى هو مكتفيا بالمراقبة والاحتراق. ولم تكن جوسلين ساديّة فهي تعلم تماما بهيام «القارئ» بها وتعطيه بدل الحب صداقة حميمة وثقة مطلقة.
مسرح هذه الرواية بيروت ما بعد الحرب الأهلية، ففي عاصمة «لبنان الذي أنهكته حروبه المتوالية منذ عام 1975، لبنان الذي لم يستطع النهوض من كبوته، ولم يقدر على استعادة مفهوم الوطن الواحد»، والذي استحال إلى بلد طائفي تسيطر عليه سلطة هجينة، تتخبط في العشائرية والإقطاع العائلي والطائفية وحتى المذهبية، يتحرك أشخاص الرواية ولكن في فضاء أضيق قليلا فضاء الفرنكفونيين أبناء منطقة الأشرفية، الذين لهم أماكنهم الخاصة (الجميزة – مونو ـ الأشرفية) حتى حاناتهم مختلفة مثل حانة «تافرن» فقد شاء صاحبها «أن لا يقصدها سوى مجموعة من الفرنكوفونيين والفرنسيّين، وجوها فرنسي تماماً حتّى الأغاني التي اختارها هي فرنسيّة، ستسمعين جاك بريل وليو فري وجورج براسنس … والساحرة إديث بياف»، وليس المكان وحده ما يجمع بين الثالوث العاشق، فهناك قاسم مشترك بينهم أعمق من ذلك وهو خساراتهم الشخصية التي عانوا منها، إنهم كائنات مقتلعة من جذورها: القارئ قتل والده بقذيفة قريبا من بيته، وجوسلين اختطف والدها وأعيدت جثته مشوّها، وجوزف هجرته أمه بعد ولادته لتتبناه عائلة ثرية أخبرته بحقيقته حتى لا يسمعها من الآخرين، فهم ضحايا حرب تركت أثرها على ذاكرتهم ورسمت مسار حياتهم.
إذا ما تجاوزنا قصة هذا الحب الفريد، نجد رواية عبده وازن متخمة بمعلومات لا حصر لها عن الروايات، ويلجأ إلى حيل فنية عديدة لاستعراض هذا الكم الكبير من المعلومات، وقد ساعده تكوينه الثقافي (عاش في فرنسا فترة وهو متابع نهم للروايات العالمية) ووظيفته (مسؤول عن أقسام ثقافية في صحف عربية كبرى) في رسم خريطة متكاملة للروايات العالمية خصوصا، ومن الحيل الناجحة التي مرر من خلالها عبده وازن هذا الشغف بفن الرواية، أن جعل أبطالها الثلاثة وإن بنسب متفاوتة مهووسين بالروايات، أغلب حواراتهم عنها، فحين دخل جوزف مرحلة الغيبوبة كان القارئ يلتقي بجوسلين في الغرفة 555 بالمستشفى حيث يدور قسم كبير من الرواية، ويقرران قراءة مقاطع من كتب كان يحبها جوزف، فيعرّفنا عبد وازن بلسان بطلي روايته على كتب عديدة مثل: «ألف ليلة وليلة ودون كيشوت وأليس في بلاد العجائب ومغامرات بينوكيو والأمير الصغير وأوليفر تويست وموبي ديك، وكأن هذه الليالي من القراءة ألف ليلة وليلة أخرى» ولكنها مخصصة للتعريف بالكتب.
ومن خلال النقاشات الطويلة بين الأصدقاء الثلاثة نطلع على كنز من المعلومات الروائية مثل الروايات التي تحمل عنوان الحب الأول، أو الروايات الإيروسية، ونعرف من خلال حوار القارئ وجوسلين أن الأدب الفرنسي يحوي صفحات هائلة من النصوص والروايات الإيروسية»، وكذلك النساء الخائنات في الروايات مثل خيانة إيما بوفاري، وخيانة مارت بطلة رواية «الشيطان في الجسد» لكاتب مغمور يدعى ريمون راديغه توفي في العشرين من عمره ، خيانة مدام دورينال في رواية ستاندال «الأحمر والأسود»، على أساس أن جوسلين أنجزت بحثا عن «الخيانة النسوية في الرواية»، وأحيانا وكأن ثوب المعنى ضاق عن جسد العبارة فيسرد عبده وازن العناوين متتابعة مثل رشق من رشاش أوتوماتيكي، كحديثه عن كتب السيرة الغيرية فيذكر منها تسع سير لأدباء مشاهير مع أسماء مؤلفي هذه السير، وحين يستشعر الكاتب أن هذه المعلومات أخذت طابعا تعليميا، يمرر على لسان جوسلين جملة مثل «اعذراني ظننت نفسي ألقي درسا في أحد صفوفي»، أو جملة أخرى على لسانها أو لسان القارئ مثل «لو كنت روائيا لكتبت عن.. « ثم يواصل سرد المعلومات، فنجده يذكر روايات الغيبوبة والروايات التي تحولت إلى أفلام مع زرع بعض النظرات النقدية مثل «الرواية عندما تصبح فيلما تقع في الأسر، أسر المخرج ورؤيته حتى القارئ نفسه يقع في أسر رؤية المخرج»، وكثيرة هي الموضوعات المتعلقة بالرواية، التي وردت في نقاشات شخصياتها من انتحار الروائيين إلى الأبطال السلبيين إلى رسوم النساء القارئات، ولا يعدم الكاتب وسيلة للالتفاف على سيل المعلومات هذا، فحين أراد ذكر الجمل الافتتاحية في الروايات جعلها على شكل حزورات بين الثالوث، فيقرأ أحدهم جملة افتتاحية ويحزرها الآخران.
هل «الحياة ليست رواية»؟ ليس تماما! أعتقد أن من يقرأ هذه الرواية: إما سيتحول قارئا نهما للروايات العالمية مثل شخصيتها الرئيسية «القارئ»، أو سيحاول كتابة رواية ويتبع نصيحة الروائية الشابة في الختام «عندما تقرر (نشر الرواية) سآخذها في ملف، وأعطيها لصديق لي هو شاعر، لكنه يكتب الرواية، يدعى عبده وازن، سيقرؤها ويصححها ويعطيها إياك جاهزة».
*شاعرة وإعلامية من البحرين
كلمات مفتاحية
بروين حبيبعبده وازن