ليس التصوف في قفص الاتهام… بل توظيفه السياسي
klyoum.com
أخر اخبار اليمن:
عاجل: انفجار مجاري يضرب الشوارع الليلةكتبه/حسن الكاف
منذ نشر مقالي السابق بعنوان "بين أروقة واشنطن ومحاريب التصوف: تقاطع المصالح بين راند وطابة"، انصرف بعض المعلقين إلى التركيز على العنوان، واعتباره هجوما على التصوف ككل، بدلا من التوقف عند مضمون الطرح وتحليله.
وهذا بحد ذاته يعكس نمطا من القراءة التي تكتفي بالسطح، وتتجاوز جوهر النقاش.
لقد سعيت في المقال السابق إلى كشف الستار عن تقاطع المصالح بين مطابخ الاستراتيجية الأمريكية (راند) والمنصات الصوفية المحلية (طابة)، لأبين كيف تعاد "هندسة التدين" ليتحول من قوة ممانعة إلى أداة للهيمنة.
وطرحت رؤية نقدية لدور مؤسسة "طابة" كـ "مترجم ثقافي" يمرر أجندات "راند" بلغة تراثية، ضمن "مشروع الشبكات الإسلامية المعتدلة"؛ مبينا أهداف وتبعات ذلك.
وعليه فإن تعليق هذا الناقد يبدو للوهلة الأولى دفاعا عن التصوف، لكنه في حقيقته يقوم على قراءة مبتورة للنص، واختزال مخل لمحل النزاع.
فالإشكال هنا ليس في التصوف كتراث إسلامي روحي ولا عن الزهد ولا عن السلوك؛ بل عن توظيف معين للخطاب الصوفي والصوفية ضمن مشروع سياسي استراتيجي، وهو ما تقوم به "طابا" وأربابها.
أولا: لم يعمم أحد على التصوف ككل
القول بأن المقال يستهدف التصوف هو قفز على المضمون إلى العنوان.
المقال لم يتناول التصوف بوصفه طريقة وتزكية، بل تناول نماذج مؤسسية محددة تقدّم فيها بعض الخطابات الصوفية كأدوات ضمن مشاريع دولية.
الفرق كبير بين:
التصوف كتراث وطريقة ورجال
وبين تصوف مؤسسي يتم توظيفه في سياق سياسي معاصر.
ثانيًا: محل النقد هو “التوظيف” لا “الانتماء”
المقال لم يقل إن كل صوفي جزء من مشروع “راند”، بل قال إن هناك تقاطع في المصالح بين بعض المؤسسات ذات الخلفية الصوفية ومطابخ السياسة الأمريكية.
ليس كل من ينتمي للتصوف داخل هذا الإطار، لكن بعض المؤسسات تستخدم أو تتقاطع مع هذه الأجندات، وهذا هو محل النقاش.
ثالثا: تجاهل مضمون المقال والتمسك بالعنوان مغالطة
الناقد لم يناقش تقرير “بناء الشبكات الإسلامية المعتدلة”، ولا دور المؤسسات في إعادة صياغة الخطاب، أو مسألة “الترجمة الثقافية” للأفكار، بل ركز على كلمة في العنوان، وهذه مغالطة معروفة: الهروب من المضمون إلى الشكل.
رابعا: الدفاع الحقيقي عن التصوف يكون برفض توظيفه سياسيا
إذا كان الناقد صادقا في الدفاع عن التصوف، فالأجدر به أن يرفض تحويله إلى أداة في مشاريع دولية، أو تسويقه كبديل مدجن لإسلام المقاومة؛ لأن هذا هو الذي يسيء للتصوف، لا نقد هذا التوظيف.
خامسا: حين يعجز الرد عن المضمون… يلوذ بالسطحيات
من اللافت أن أغلب المعترضين لم يتجهوا إلى مناقشة جوهر الطرح، ولا إلى تفكيك ما ورد من معطيات وتحليلات، بل انصرفوا إلى التمسك بأمور سطحية؛ كالعنوان، أو بعض التعابير الجزئية. وهذا النمط يكشف عن أزمة في التعاطي مع النقد، حيث يتم تجنب الأسئلة الحقيقية:
هل هناك بالفعل تقاطعات بنيوية بين أطروحات بعض المؤسسات الدينية وبين مشاريع دولية تهدف لتدجين الأمة؟
ما طبيعة الخطاب الذي يروج تحت لافتة "الوسطية والاعتدال"؟
والسؤال الأهم: كيف نفسر تماهي خطاب بعض "الدعاة النجوم" مع تقارير استراتيجية غربية تطالب بصراحة بتجفيف منابع الممانعة وتدجين الأمة؟
ما الذي يجمع "منصات صوفية" بـ "مطابخ سياسية" تنظر للتدين كأداة للضبط الاجتماعي والسياسي لا كوسيلة للتحرر والاستقلال؟
وهل بات "الداعية الإسلامي" في هذا السياق مجرد "مهندس ديكور" يمنح الشرعية التراثية لخيارات سياسية تخدم الهيمنة الدولية وتطبع مع مشاريعها في المنطقة؟
بدلا من ذلك، يتم اختزال النقاش في قضايا شكلية لا تمس لب الموضوع، وكأن الهروب إلى "قداسة الأشخاص" أو " العناوين" هو الملاذ الأخير لتجنب مواجهة هذه الحقائق الصادمة.
في نهاية المطاف المقال لا يعمم على التصوف، بل يميز بين التصوف كتراث روحي، وبين توظيف بعض خطاباته داخل مشاريع سياسية دولية.