الموقف الخليجي من الحرب على إيران
klyoum.com
|وسام أبو شمالة
من المرات النادرة التي تتفق فيها أنظمة الخليج العربية على موقف شبه موحّد تجاه الحرب على إيران، واتسمت غالبية المواقف بإدانة الهجمات الإيرانية على القواعد والمصالح الأميركية التي استخدمت في الحرب على إيران، وتوصيفها بأنها عدوان عليها وعلى سيادتها، ولم يصدر عنها مواقف تدين العدوان الصهيوأميركي واعتبرت أنّ المبرّرات الإيرانية في استهداف القواعد الأميركية على أراضيها غير مقبولة، وهدّدت بأنها تحتفظ لنفسها بحقّ الردّ والدفاع عن نفسها، كما أنها بادرت باتخاذ خطوات احتجاحية دبلوماسية مختلفة تجاه الممثّليات الإيرانية في عواصمها.
الموقف الإيراني يتمسّك بحقّه في مهاجمة أهداف أميركية أدّت دوراً لا يمكن نفيه في العدوان على إيران، وأنها لا تستهدف دول الجوار، كما أنها استهجنت عدم إدانة الأنظمة الخليجية العربية للعدوان الصهيوأميركي، واتسمت الرسالة الأخيرة لعلي لاريجاني قبل استشهاده، بالعتب على الدول الإسلامية التي لم يدن غالبيتها العدوان على شعبه وبلاده، ومنها دول الجوار.
أدركت غالبية الأنظمة الخليجية العربية قبل اندلاع الحرب، أنها ستتأثّر بشكل عميق من مجرياتها، وسعت لثني الإدارة الأميركية عن اللجوء للقوة العسكرية، والمقامرة غير المحسوبة بإشعال حرب لا يمكن معرفة مآلاتها، كما حاولت إقناع الرئيس دونالد ترامب باستنفاد نافذة الفرص المتاحة للتفاهم مع إيران عبر التفاوض، سيما أنّ التوصّل إلى اتفاق يجنّب المنطقة والعالم الحرب، كان ممكناً باعتراف الوسيط العُماني، الذي ألقى باللوم على الإدارة الأميركية في إغلاق باب الدبلوماسية.
تدّعي مصادر إسرائيلية وأخرى غربية، لم تؤكّدها مصادر مستقلة، أنّ النظامين السعودي والإماراتي يدعمان العدوان على إيران عبر القنوات السرية، واعتبرا إلى جانب "إسرائيل" أنّ الفرصة لا يمكن تعويضها في القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية وإسقاط النظام الإيراني، في ضوء "إضعاف" حلفائه في المنطقة، وأنه يجب إكمال المهمة.
تبنّت قطر لهجة دبلوماسية حادّة تجاه إيران، وكشفت مصادر خاصة، أنّ جهات سيادية قطرية رحّلت مواطنين عرباً عن أراضيها بسبب مواقفهم المندّدة بالعدوان الصهيوأميركي والداعمة لإيران، ورفضهم مطالب قطرية بإدانة الهجمات الإيرانية على الأهداف الأميركية في قطر، كما عكست التغطية الإعلامية لقناة الجزيرة القطرية، تبنّي سردية الدول الخليجية للأحداث، ومنحت مساحة إعلامية أكبر لضيوف منسجمين مع الموقف الخليجي الرسمي، وتحدّثت مصادر مختلفة عن منع صحافيين معروفين عن الظهور وتحذيرهم من نشر تعليقات لا تنسجم مع الموقف الخليجي، ولا حتى تنتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
أظهرت إيران في حرب الـ12 يوماً قدراً من ضبط النفس رغم هجومها على قاعدة العديد الأميركية في قطر؛ إلا أنّها استخدمت هذه المرة استراتيجية مختلفة، كونها أدركت أنها تواجه حرباً وجودية، لم تترك لها خيارات واسعة، إلا خيار المواجهة بكلّ الأدوات ومن دون كوابح، لإجهاض أهداف الحرب، ورفع كلفة العدوان على مختلف المستويات العسكرية والاقتصادية والطاقوية، وعبر خوض معركة ثلاثيّة الأبعاد، الصمود والدفاع والمواجهة، تستنزف العدو، وتنزع إرادته باستئناف القتال، وتحوّل الحرب إلى معضلة عالمية.
يسعى العدوان الصهيوأميركي إلى توريط الدول الخليجية العربية في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل مع إيران، وتستخدم الادارتان الأميركية والصهيونية مختلف وسائل التحريض والضغط، لتحويل الصراع مع إيران إلى صراع عالمي، ساحته الرئيسية ورأس حربته دول الخليج العربية، يؤدّي في نهايته إلى هيمنة صهيوأميركية كاملة على المنطقة، والسيطرة على مقدّرات إيران والدول النفطية العربية، وسرقة موارد المنطقة من النفط والغاز، والتحكّم في مضيقَي هرمز، وباب المندب، تمهيداً للحلم الصهيوني بإقامة "إسرائيل الكبرى" التي عبّر عنها صراحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأميركي في "تل أبيب" المحتلة مايك هاكابي.
إبان الحرب الإسرائيلية على غزة، أدانت الدول الخليجية العربية العدوان الصهيوني، وعملت على حشد ضغط دولي من أجل وقف الإبادة والتهجير وتقديم المساعدات الإنسانية، ومع توسّع الحرب، وتجاوز "إسرائيل " للأعراف والقوانين والأخلاق كافة، إلى جانب ما كشفته نيّات قادتها تجاه التوسّع والهيمنة على دول المنطقة، الأمر الذي ساهم في تعزيز المخاوف الخليجية من مخاطر التهديد الإسرائيلي، على المنطقة برمّتها، وزعزعة الاستقرار فيها، بيد أنّ امتناع الدول الخليجية العربية عن إدانة العدوان الصهيوأميركي على إيران، بل والتهديد بالمشاركة العسكرية في العدوان عليها، زاد من تعقيد المشهد.
إذا تدخّلت الدول الخليجية العربية عسكرياً، فلن يبقى الصراع في جوهره مواجهة إسرائيلية–إيرانية، بل سيتحوّل إلى حرب إقليمية أوسع تصبح فيها الدول الخليجية أطرافاً رئيسية، وسيشكّل هذا السيناريو مكسباً استراتيجياً لـ "إسرائيل". فمواجهة طويلة بين إيران والدول الخليجية من شأنها أن تستنزف موارد الطرفين معاً، وفي الوقت نفسه تعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
تعتبر "إسرائيل"، المواجهة ضدّ إيران ضرورة وجودية تتعلّق بمصيرها ومستقبلها، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، حتى لو تعرّضت لضرر محتمل قصير المدى، في مقابل تحقيق أهدافها الكبرى في الهيمنة والتوسّع، وتأمين وجودها عبر القضاء على التهديدات الخارجية بأبعادها الثلاثية، الوجودية والاستراتيجية والمرحلية.
وعلى المقلب الآخر فإنّ إيران ترى في صمودها أمام العدوان وتحمّل أكلافه المرتفعة، فريضة شرعية وضرورة وجودية، تحتّم عليها استيعاب الخسائر مهما بلغ مستواها، من أجل تحقيق نتائج استراتيجية.
في المقابل، فإنّ تقدير الموقف الخليجي مختلف كلياً عن الاعتبارات الصهيونية والإيرانية، فما قد يعتبره الطرفان أكلافاً محتملة، تعتبره البلدان الخليجية أثماناً باهظة على استقرارها واقتصادها وأمن مجتمعاتها ومركزها العالمي على صعيد التجارة والمال والتكنولوجيا، وتهديداً مباشراً على خططها الاستراتيجية الطموحة.
إنّ تداعيات تطوّر وتوسّع الحرب، لن تنحصر على المنطقة وحدها، فالموقع الجيوسياسي للخليج، وموارده الطاقوية، تؤثّر بشكل كبير على أسواق الطاقة العالمية، وممرات التجارة البحرية، وتدفّقات المال والاستثمار، الأمر الذي ستكون لها ارتدادات عميقة على الاقتصاد العالمي. تُواجه الدول الخليجية العربية منعطفاً خطيراً في تاريخها، وفي حال وقعت في الفخ الصهيوأميركي وأقحمت نفسها في مواجهة عسكرية ضد إيران، ستخاطر بتحويل المنطقة إلى صراع طويل ومدمّر للجميع باستثناء "إسرائيل" التي ستكون الرابح الوحيد، فبعد أن نجحت في توريط الإدارة الأميركية في الحرب، تخطّط لتوريط الدول الخليجية كافة فيها..
تدرك الدول الخليجية المرامي الصهيونية، ما يمنعها حتى الآن من التورّط في الحرب، وتكتفي بإدانة إيران والتلويح باستخدام القوة، واتخاذ خطوات دبلوماسية ضدّها، وعلى الأرجح فإنها تدرك أنّ مصالحها الاستراتيجية تشكّل كابحاً يمنعها من الانجرار إلى الحرب مع إيران.
شكّلت الحرب فرصة للدول الخليجية العربية لإعادة النظر في مدى أهمية القواعد الأميركية على أراضيها، وطرح العديد من النخب الخليجية أسئلة تحتاج للإجابة من صنّاع القرار، حول من يدافع عن من؟! وهل وظيفة الدول الدفاع عن القواعد الأميركية أم أنّ الأخيرة مبرّر وجودها مرتبط بالدفاع عن الدول الخليجية وليس العكس، وتحوّلت دول الخليج في الحرب القائمة إلى ما يشبه البط في ميدان الرماية.
إنّ الدول الخليجية العربية ليس من مصلحتها أن تصبح طرفاً في القتال، أو أن تشارك إلى جانب "إسرائيل" في الحرب على دولة إسلامية جارة حتى لو اختلفت معها سياسياً ومذهبياً، فقد أثبتت تجارب سابقة قدرة الطرفين الإيراني والخليجي على إدارة حوار هادئ بعيداً عن التشنّج والصدام.
مع استمرار الضغوط الأميركية لدفع الدول الخليجية إلى الانخراط بشكل أوسع في الحرب، فإنها لم تحسم موقفها بعد، وتترقّب نتائج مسار المفاوضات التي تحدّث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى الأرجح فإنها لن تنخرط في مواجهة مباشرة مع إيران، وستلجأ إلى استخدام الأدوات والضغوط الدبلوماسية والإعلامية والقانونية.