اخبار اليمن

شبكة الأمة برس

ثقافة وفن

«بحر ساركاسو الواسع» لجين ريس: الاستعمار… وإنتاج هوية رمادية

«بحر ساركاسو الواسع» لجين ريس: الاستعمار… وإنتاج هوية رمادية

klyoum.com

رامي أبو شهاب*

لا يمكن إنكار أن رواية «بحر ساركاسّو الواسع» تعدّ من أهم الأعمال الروائية، إذ غالباً ما تحضر في قوائم الأعمال الأكثر أهمية بداعي تكوينها، ومنظورها. فالرواية تعكس في تكوينها شيئاً من سيرة مؤلِّفتها جين ريس بداعي قلق الهوية، والوقوع بين عالمين متناقضين، كما يمكن أن يتضح ذلك من تحليل عنوان الرواية، فبحر ساركاسو يتجاوز مرجعية المكان إلى بعد دلالي أعمق، يتعلق في النظر إليه على أنه فضاء تعلق فيه الذوات، أو فاصل بين عالمين: الكاريبي المستعمَر، والدول الأوروبية المستعمِرة، حيث تتشكل ذوات تائهة لا منتمية، أو مرفوضة من كلا الجانبين، ولا سيما تلك الهوية الكريولية.

هوية رمادية

تعالج الرواية حكاية أنطوانيت ابنة إحدى العائلات البيضاء، أو من ملاك العبيد الذين يواجهون عداء السكان الأصليين قي جامايكا، ومن هنا يتشكل سؤال الهوية البينية الهجينة، فالعرق الكريولي يعني أبناء البريطانيين الفرنسيين المولودين في الكاريبي، ومع ذلك، فإنه لا ينظر إليهم على أنهم أوروبيون، في حين أن السكان الأصلانيين من السود يرونهم دخيلين أو من أصحاب البشرة البيضاء الطارئين، وبذلك فإن هذه الفئة تقع في نطاق هوية بينية معقدة، فهم مرفوضون هنا وهناك. وهكذا فلا جرم أن يشكل ذلك معضلة في وعي هذه الفئة بداعي الإقصاء من كلا الطرفين. ويمكن اختزال ذلك بمواقف سردية، ومن ذلك هجوم السكان الأصلانيين على القصر، وإحراقه مما أدى إلى موت شقيق أنطوانيت الصغير حرقاً، وبعد ذلك يأتي ضرب فتاة سوداء لأنطوانيت بحجر – على الرغم من أنهما تربتا معاً- بيد أن هذه الممارسات لا تعني عداء ذاتياً بمقدار ما هو نتاج رفض للهوية البيضاء غير المكتملة، حيث يطلق عليهم مصطلح «الزنوج البيض». في حين تتضح معضلة هوية المكان، وسكانه من خلال زوج أنطوانيت بروتشستر القادم من إنكلترا، والذي يصف زوجته: «ربما تكون كريولية من دم إنكليزي نقي، إلا أنهم ليسوا إنكليزا، ولا حتى أوروبيين»، وفي موضع آخر يقول: «إذا كنت رأيت تعبيراً ينم عن الشك، أو الفضول فإنه يظهر عادة على الوجوه السوداء لا البيضاء». وبذلك نلاحظ أن الرواية تتسم بالكثير من التداخلات العرقية والثقافية والاستعمارية والنفسية، بداعي تلك الحساسية التي تكمن في النفس البشرية، وذلك النمط السلوكي الذي قد يقود البشر إلى اتخاذ قراراتهم بوصفها نتاجاً للعرق، والثقافة، والتاريخ أيضاً.

استعادة الصوت

يُقرأ حضور هذه الفتاة «أنطوانيت» ضمن التكوين السردي، بوصفها حكاية سابقة لرواية «جين إير» للكاتبة الإنكليزية شارلوت برونتي، تلك الرواية التي تظهر فيها «المرأة المجنونة في العلية»، بيد أن جين ريس انطلقت من هذه الحادثة لتبني رواية تعود فيها إلى سرد حكاية هذه المرأة، التي هُمشت وجوداً، وثقافة، وكياناً. لقد منحت جين ريس هذه الشخصية صوتاً، واسماً، والأهم حكاية بعد أن كانت مغيبة، وبذلك فثمة شيء من التقاطع بين الروايتين على مستوى الرؤية لمفاهيم الثقافة، والجنس، والعرق، والدين، والإطار العام للذات الأنثوية على مستوى الأحداث والسرد.

إن المرأة التي في العلية في رواية «جين إير» هي «أنطوانيت» في رواية «بحر ساركاسو الواسع»، أو تلك الفتاة الصغيرة التي تعيش في عالم مضطرب مع أسرتها، مع عدد من الخدم السود، بالتوازي مع عداء السكان المحليين. تُصاب الأم بالجنون، وتُنفى بعيداً بعد موت طفلها في الحريق. يمكن قراءة هذه الحادثة بوصفها الخلفية الأولى لتصدّع الهوية، كما اهتزاز الإحساس بالأمان. وهي بداية لإسقاط نفسي على أنطوانيت بداعي ذلك الامتداد الجيني بين الفتاة، وأمها، حيث يعاد إنتاج صفة الجنون ليلصق بأنطوانيت بداعي ماضي أمها المضطرب، فيكون هذا الحدث مسوغاً أخلاقياً للهيمنة عليها. بين ثنايا هذه القصة، نجد حكاية تتصل بتلك المنطقة، وواقعها الاستعماري، وبمفهوم الاستعباد، ولاسيّما في تلك المرحلة التي صدر فيها قانون إلغاء العبودية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. فذلك الاقتحام الذي قام به العبيد للمنزل، وما كمن فيه من تداعيات تمثلت بمغادرة العائلة للبلد، وجنون الأم، وانتقال أنطوانيت إلى دير، غير أنها تعود بعد سنوات إلى المكان، وقد تزوجت من رجل إنكليزي اسمه «روتشستر»، أو الرجل عينه في رواية شارلوت برونتي.

مستويات الاستلاب

لقد تزوج روتشستر أنطوانيت طمعاً في مالها وأملاكها، ولاسيما بعد معاناته من ضائقة مادية، وعلى الرغم من أنطوانيت أحبّته، غير أنه لم يبادلها الحبّ يوماً، حيث كان الرجل مسكوناً بالرغبة في المال والسيطرة فحسب، ومتأثراً في ما بعد بالتصورات التي قيلت عن أنطوانيت، من ناحية جنون أمها، فضلاً عن العداء الثقافي للمكان، واحتقاره للهوية الكريولية.

تسعى الرواية إلى تمثيل واقع جغرافي ثقافي عبر تلك العلاقة بين المركز، أي إنكلترا، والأطراف أو المستعمَرات. فعلى الرغم من أنّ أنطوانيت تنتمي إلى طبقة الملاك، فإنّها تقع أيضاً ضمن نسيج المنطقة، التي وُجدت فيها باعتبارها أرضاً مستعمَرة، سكانها من السود، في حين أن علاقتها بزوجها الإنكليزي تمثل شكلاً من أشكال الارتباط بين المركز والهامش ضمن مقولة الأدنى، ما يبرر الاستفادة والتبعية الاقتصادية، إذ لا يرى روتشستر في زوجته سوى امتداد للرؤية الإمبريالية الاستعمارية، أو بوصفها جزءاً من الأملاك، فيستبيح وجودها، وممتلكاتها، والأهم المكان الذي أحبته. يشكل المكان مركز الفعل الدلالي، فرغم العلاقة المتوترة التي نشأت بعد هجوم العبيد، غير أن ذاكرة أنطوانيت تتعلق به، في حين أن زوجها الإنكليزي يكرهه بداعي التعالي الإمبريالي الثقافي: «لديّ شعور حاد بأني غريب هنا، شعور بأن هذا المكان يعاديني ويقف إلى جانبك».. ومن هنا يمكن قراءة دلالة المكان أو البيئة بوصفها رفضاً، أو نبذاً لهذا الوجود، ولهذا يستشعر روتشستر الإنكليزي رفض المكان له، فالبيئة غريبة، أو غير مفهومة، ولكنها في الحقيقة تعبر عن منظور سكانها من ناحية رفض القوة المهيمنة.

تسعى الرواية، في جزء كبير من بنيتها، إلى رسم معالم هوية الثقافة المكانية، بما في ذلك الشخصيات، حيث تظهر شخصيات مثل، «كريستوفين» خادمة أنطوانيت، وهي من السكان الأصليين السود، حيث عملت في القصر منذ طفولة أنطوانيت، ولكنها تظهر حقيقة تمثيلا للثقافة الأصيلة التي ترفض الاستعلاء الغربي، فهي تعتز بلغتها، وطقوسها، ورؤيتها، وغالباً ما تُتهم بممارسة السحر، أو امتلاك قوى خفية، ولهذا ينظر إليها على أنها «الملاك الحارس» لأنطوانيت، ولذلك يسعى روتشستر إلى تحييدها، وإبعادها. تبقى أنطوانيت في مركز هذا الصراع، بما تحمله من تعدّد في قراءة الشخصية النسوية، فعلى الرغم من أنّ «كريستوفين» تتّسم بشخصية قوية وصدامية، كما الحماية والأمان، أو ذلك التصلب الثقافي عبر الاتصال بالمكان، من خلال ثقافتها، ولغتها ومعتقداتها، أو بوصفها الهوية النقية المنتمية للأرض في مواجهة النموذج المقابل روتشستر الإنكليزي، غير أن أنطوانيت تمثل تلك الهوية الرمادية غير القادرة على تحديد مصيرها، فهي تتّسم بنوع من السلبية، والضعف، والتبعية، والاستسلام، في حين يمثل «بابتست» أحد الفتيان السود العاملين في المكان النموذج التابع، فهو يرى في الإنكليزي خلاصه للخروج من مكان بدأ يتداعى، غير أنّ روتشستر يرفضه ويتركه خلفه، لنخلص إلى أنّ الرجل الإنكليزي لا يرى في ذلك المكان أيّ بعد إنساني أو قيمي أو أخلاقي، ولا حتى أي معنى ذاتي أو جمالي يستحقّ الالتفات إليه.

يمكن تفهم خلاصة البعد القائم على الهوية، وتقاطعه مع المكان، وقيم التنازع البيني، من خلال هذا المقطع، الذي يختزل دلالة الانتماء بناء على علاقة الذات مع المكان، وجدلية تجذره فيه، فأشجار الجوز الملكية تقاوم العاصفة، في حين أن أشجار الخيرزان تنحني مع الأرض حتى تمر العاصفة، وبذلك فهي تمثل الهوية الكريولية على عكس أشجار الجوز الملكية: «فكرت في أن أشهر الأعاصير ليست بعيدة، ورأيت الأشجار تضرب بجذورها في أعماق الأرض استعداداً لمواجهة الريح، دون طائل، فالريح حين تعصف تقتلع كل شيء. بعض أشجار جوز الهند الملكية تقاوم (هكذا أخبرني)، ورغم أن أغصانها تُنتزع منها فإنها تبقى مثل أعمدة بنية طويلة، تقاوم وتتحدّى. لمَ تسقط أشجار ملكية دون سبب. أما أشجار الخيزران فإنها تأخذ سبيلاً أيسر: تنحني على الأرض حتى تتسطّح عليها، تصرّ وتئنّ وتصرخ طالبة الرحمة. غير أن الريح تمرّ بكل ازدراء غير آبهة بهذه الأشياء الذليلة (دعها تنعم بالحياة)».

جرثومة العنف الأوروبي

يقتلع روتشستر أنطوانيت من المكان الذي أحبته، من جذرها، ويلقي بها في العلية لتصبح المرأة المجنونة في مزرعة «ثورنفيلد هول»، حيث يجردها من كل شيء: المكان، والحب، والمال، ولكن أيضاً يجردها من الاسم، والهوية، علاوة على تهمة الجنون العقلي، وبذلك تتعالى القراءة الثقافية في مجال واضح لفعل الهيمنة العابرة للدلالات الاستعمارية الثقافية: العرقية، والجندرية، والنفسية، لنصل إلى هيمنة مركبة كولونيالية، وجندرية في آن واحد. وبهذا فنحن أمام نص أو رواية شديدة الاختزان لهذه المقولات التي تعكس الآثار المترتبة على الهيمنة بتعدد أشكالها، وتمظهراتها، ولكن مركزها يبقى جرثومة العنف الإمبريالي الذي يعطي لنفسه الحق في استلاب الآخر، على المستوى الاقتصادي، كما يتجاوز ذلك ليطال الوجود، والثقافة، والماضي، والتاريخ، ومصادرة الحق حتى في الحياة.

تكتسب الرواية موقعها من قدرتها على خلق مدلول ثقافي يتعلق بقراءة تداعيات العملية الكولونيالية، ولكن من منظور غير شائع، أو منتشر على نطاق واسع، فقيمة الرواية تتأتى من ذلك الوعي بالهويات التي تنشأ تاريخياً عن الفعل الاستعماري، والذي غالباً ما يخلف وراءه تلك الرؤى الضيقة، والبينية، والمزعزعة للمعنى الذي يكمن في العالم، مع أن الرواية لا تقف عند حدود ذلك، إنما تتجاوزه لاستثمار تلك الفضاءات التي عنيت بها شارلوت برونتي لتعيد جين ريس موضعة نصها ضمن بعد طباقي، إذ أضافت تلك الرؤية التي غُيبت عن النص الأول، من خلال وقائع ورؤى شكلت طبقة من الدلالات التي تنحاز لمعالجة تكوين المرأة، وأثر البطريركية الذاتية والمجتمعية، بالتوازي مع تأملات فلسفية تتعلق بالحياة، ودور الدين، والعلاقات الإنسانية برمتها، ولكن تبقى تلك الصيغة الأكثر بروزاً عبر تمثيل الهوية المضطربة للمستعمرات في تلك المنطقة، وما يتصل بها من ثقافة، وموقف، ووعي بالنواتج التي حملتها جرثومة العنف الإمبريالي، التي أحدثت عطباً في هويات كل من السكان الأصليين، والمستوطنين البيض.

في حين يشكل الفصل الأخير من الرواية ذلك الانتقال العنيف لأنطوانيت المحاصرة في العلية، برقابة الخادمة أو المسؤولة عنها، فتسعى أنطوانيت للخروج، علاوة على ما تقوم به من محاولة حرق المكان، وما تعنيه الشمعة من إحالة للبحث عن الضوء، والانعتاق، وبذلك نتصل بتلك الأجواء عينها في رواية شارلوت برونتي، ومن هنا فإن الاتصال بين العملين يشكل قيمة سردية ودلالية غير مسبوقة.

*كاتب أردني فلسطيني

*المصدر: شبكة الأمة برس | thenationpress.net
اخبار اليمن على مدار الساعة