بين شرعية الدولة وخطورة الإمامة الجديدة
klyoum.com
أخر اخبار اليمن:
تنفيذي ميفعة شبوة يعقد اجتماعه الدوري لشهر مارس 2026حين انطلقت «عاصفة الحزم» في السادس والعشرين من مارس 2015، لم تكن مجرد رد فعل عسكري عابر، بل كانت قرارًا استراتيجيًا إقليميًا لإنقاذ الدولة اليمنية من السقوط الكامل، والحفاظ على شرعيتها القانونية، ومنع تحول الأرض اليمنية إلى منصة للعبث بأمن المنطقة. حققت العمليات العسكرية نجاحًا استراتيجيًا في كبح الجموح الحوثي وحماية الشرعية، غير أن استكمال هذا النصر يتطلب اليوم ترجمة ميدانية إلى حل سياسي شامل ينقذ المجتمع من براثن الانقسام، ويعيد بناء المؤسسات على أسس وطنية سليمة.
في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بات من العبث الحديث عن «دولة» بالمفهوم المتعارف عليه. ما هو قائم هناك ليس سوى سلطة ميليشياوية، تُدار عبر شبكة من المشرفين الذين يتقدمون على المؤسسات الرسمية ويحتكرون القرار. الدولة في هذا النموذج ليست مرجعية عليا، بل هي واجهة زجاجية، بينما السلطة الحقيقية تتركز في يد جماعة تنظر إلى الحكم ليس كعقد سياسي بين مواطنين متساوين، بل كحق إلهي محصور في سلالة بعينها. وقبل أن تنزلق البلاد إلى هذا المصير، كان اليمن —رغم كل قصوره— يمتلك مسارًا دستوريًا وانتخابيًا على مستوى الرئاسة والبرلمان والحكم المحلي، يسمح للشعب باختيار حكامه ومحاسبتهم، وهو ما افتقده تمامًا تحت نموذج «الإمامة الجديدة».
هذا النموذج يعيد إنتاج فكرة «الإمامة» بأدوات عصرية، ويكرس في جوهره تمييزًا طائفيًا يرفضه المجتمع الدولي، يعيد توزيع النفوذ والثروة وفق معايير الولاء للولاية الكهنوتية. يتحول فيه القضاء إلى تابع، وتُوظف الثروة العامة لخدمة أجندة مذهبية: لا مساواة، ولا مواطنة، ولا فرص متكافئة. إنه نظام يعيد ترتيب المجتمع طبقيًا، من الأعلى إلى الأسفل، بناءً على الانتماء وليس الكفاءة، وهو ما يتعارض جوهريًا مع مبادئ الدولة الحديثة التي تتبناها المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي.
لقد ثار اليمنيون قبل أكثر من ستة عقود على فكرة مماثلة، واليوم يواجهون امتدادًا لها، لكن بأقنعة حديثة. الحوثيون لا يعتبرون المعارضة خلافًا سياسيًا طبيعيًا، بل «خروجًا عن الحق»، مما يحول الإقصاء من ممارسة سياسية مؤقتة إلى منهج عقائدي دائم. والنتيجة تُقرأ في تفاصيل الحياة اليومية: تعليم مُوجّه، ووظائف تُمنح بالولاء، وخدمات ترتبط بالنفوذ، في مجتمع تُعاد هندسته قسرًا. الأغلبية من اليمنيين لم يعودوا يشعرون بأنهم شركاء في هذا الكيان، بل أصبحوا أطرافًا مغلوبًا على أمرها داخله، وهذا يهدد النسيج الاجتماعي الذي تحرص المملكة ودول المنطقة على حمايته كجزء من أمنها القومي.
شعار «الصمود»، الذي ترفعه الجماعة، تحول في التطبيق إلى أداة للضغط على السكان، وتجويعهم، وإفقارهم. المواطن يحرم من راتبه وخدماته، وتُوصم المطالبة بالحقوق بالخيانة، بينما تتحول المدارس إلى مصانع لتغذية أجيال جديدة بخطاب الحرب والكراهية. الصمود الحقيقي هو الذي يبني الدولة العادلة، لا الذي يهدم الحجر والبشر معًا، ويهدد استقرار الجوار بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، ويتذرّع بعدم استهداف دول المنطقة ما لم تشارك في الحرب، متجاهلاً أن حليفته إيران قصفت تلك الدول ذاتها، وأن تهديد الملاحة في باب المندب يمس مصالح الجميع دون استثناء، كما ظهر في التصعيد الأخير ضد إسرائيل وأمريكا.
في المحصلة، فإن أي حديث عن حل سياسي في اليمن، لا يمكن أن يكون مفتوحًا بلا شروط، ولا أن يتغاضى عن طبيعة هذا النموذج الحاكم. الحوار يجب أن يقوم على تفكيك بنية التمييز المخالفة للمواثيق الدولية من أساسه، والعودة إلى مبدأ «دولة لكل اليمنيين»، لا امتياز فيها لسلالة ولا لجماعة، وهو المبدأ الذي تدعمه المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون ضمن رؤيتها للأمن الإقليمي، ويتقاطع مع تحذيرات المبعوث الأممي من جر اليمن إلى حرب إقليمية لا ناقة للشعب اليمني فيها ولا جمل.
أما إذا أصر الحوثيون على الاحتكار والإقصاء، فإن الحقيقة التي يتجنبها الكثيرون ستبقى معلقة في الفضاء: لا يمكن التعايش طويلًا مع مشروع يقوم على إلغاء الآخر. وعندها، لن يكون الحسم العسكري خيارًا ترفيهيًا، بل نتيجة حتمية لفشل السياسة في مواجهة مشروع يهدد فكرة التعايش ذاتها. فالنظام القائم على التمييز، لا يولد استقرارًا، بل يزرع بذور صراع دائم، حتى لو سكتت المدافع مؤقتًا، والأمن الإقليمي لا يقبل بالمخاطرة في هذا الملف الحيوي، خاصة بعد أن تحول الحوثي من طرف محلي إلى ذراع إقليمية تهدد الممرات البحرية ومصالح الدول التي لم تشارك في أي حرب.