صوفي بسيّس: «الحضارة اليهودية–المسيحية»… تفكيكُ بدعة
klyoum.com
بقلم: برنار جانسان / ترجمة: رمزي ناري
إنّ الخداع الذي يُفضَح في هذا العمل الموجز، كان يستحقّ أن يُفضَح منذ زمنٍ طويل. فعبارة «الحضارة – اليهودية المسيحية» لا تستند إلى أساسٍ علميّ، بل هي «مشبعةٌ بالأيديولوجيا». إنها تُضلّلُ عالما يبدو وكأنّه منقسمٌ بين هذه الحضارة وسائرَ الحضارت الأخرى. ومع ذلك، لم تنجح هذه العبارة في توحيد جميع المسيحيين؛ إذ يكاد وجودها يكون منعدما في أمريكا الوسطى والجنوبية، وفي افريقيا الوسطى والجنوبية. أمّا في إسرائيل، فلا تزال حاضرة بقوة، ولاسيما أنّ بنيامين نتنياهو استخدمها ليُصوّر نفسه مدافعا عن الحضارة في مواجهة ما يُسمى بـ «الهمجية الإسلامية».
تستحضر صوفي بسيّس مقولة بول فاليري، الذي رأى في أوروبا «زائدة صغيرة من آسيا»، وتستشهد بشامبليون قائلة: «من الواضح بالنسبة إليّ، كما هو واضح لكل من رأي مصر، أنّ الفنون في اليونان بدأت كتقليدٍ خاضعٍ للفنون المصرية».
بعد النازية، تغيّر كل شيء نظريا: «لقد حلّ الشغف الرسمي باليهودية – أو ما يمكن تسميته باليهودوفيليا – محل معاداة السامية، وهي التي تُملي جزئيا سياسات القادة، وتبدو كمرآة مقلقةٌ لها». صحيح أنّ اضطهاد اليهود ليس أمرا جديدا. ففي عام 1546، توجّه مارتن لوثر إلى القضاة طالبا «أن يمارسوا رحمة صارمة تجاه أولئك الأوغاد»، ودعاهم إلى إحراق كُنُسهم وإجبارهم على العمل، بل حتى «طردهم كالكلاب المسعورة». كما فُرض عليهم ارتداء لباسٍ مميّز، ومُنعوا من العمل العام، وحُبسوا في أحياء لا يُسمح لهم بمغادرتها. وهكذا فُرض في إيطاليا في القرن السادس عشر، مصطلح «الغيتو» وممارسته على اليهود. وكان يعني ضمنا عزلهم التام عن السكان غير اليهود، والسماح لهم بمزاولة أنشطة معينة تحت إشراف الدولة، في بيئة ازدادت تدهورا بسبب الفصل العنصري. في الأصل كانت كلمة «غيتو» تُنطق «جيتو» (jetto) بسبب إلقاء بقايا النحاس من مسبك قديم في غيتو البندقية. وتُشير بسيّس بدقة إلى أن «النزعة المعادية للسامية التي بلغتها النازية ما كان لها أن تحدث لولا قرونٍ من التقاليد المناوئة لليهود».
بعد الحرب العالمية الثانية، كيف استعاد الغرب «براءته المفقودة؟» لقد فعل ذلك لا باعترافه بإسرائيل فحسب – أي «بجلبها إلى جرن المعمودية» – بل أيضا «بدفاعه غير المشروط عن سياساتها التوسعية، إلى حد تبنّي الاستعمار المنهجي لما تبقّى من فلسطين بعد تأسيس الدولة العبرية وحرب 1948».
ومع ذلك ترى بسيّس أنّ الإسلام، أسهم بدوره في التراث الروحي الإنساني. ففي القرآن، ورد اسم إبراهيم 67 مرة مقابل 51 مرة لاسم محمد. ومريم هي أكثر النساء ذِكرا وتبجيلا. لذا، فإن الإسلام «يقف في استمراريةٍ واضحةٍ مع التيارات الروحية السائدة في زمن نشأته». ونعلم أن الجامعات الأوروبية، منذ القرن الثاني عشر، تأثرت تأثرا عميقا «بالفيلسوف الأندلسي ابن رشد (بالإسبانية Averroes)»، المتبحّر الذي يعتبره كثيرون «رائدا لفكر عصر النهضة».
وترى صوفي بسيّس أنّ الفارق بين اليهودية والدينين الكتابيين الآخرين، يكمن في أن اليهودية ظلّت «ديانة قبلية مخصصة للشعب الذي اختاره الله. وقد شهدت فترة تبشيرية بين القرنين الأول والثالث، لكنها سرعان ما انغلقت – أو أغلقت على نفسها – داخل بيئة من العادات الجماعية لم تنبثق منها حقا. أمّا المسيحية والإسلام فقد أظهرا، منذ بدايتهما، نزعة عالمية في دعوتهما لجميع البشر دون تمييز في الانتماء».
وفي أوروبا، أصبح وصم الإسلام «جنسا أدبيا قائما بذاته»، كما في أنشودة رولان حيث حُوّل الباسكيون بسهولةٍ إلى «سراسنة». ومع ذلك، سنرى الملك فرانسيس الأول يتحالف مع السلطان سليمان القانوني ضد الإمبراطور شارل الخامس.
واليوم، أصبح الوجود اليهودي في العالم الإسلامي يتناقص باطّراد؛ فما زال هناك بضعة آلافٍ من اليهود في المغرب وتونس وتركيا وإيران، في حين تتميّز الجزائر بعداءٍ حقيقيٍّ للدولة ضدّهم. علاوة على ذلك، تزامن دخول النخب اليهودية إلى الحداثة الأوروبية منذ القرن التاسع عشر فصاعدا مع «رفض الجزء الشرقي» من العالم اليهودي. فثيودور هرتزل رأى في الصهيونية «مشروعا أوروبيا خالصا». وقد حُكمت إسرائيل، خلال العقود الأولى من وجودها، على يد مثقفين أوروبيين، لم تكن لهم سوى معرفةٍ كتابيةٍ (أي من خلال النصوص التوراتية) في فلسطين. واليوم، ساهمت الدولة العبرية في تعميم ثنائية «اليهودي المسيحي». بالنسبة لنتنياهو، فإن «أوروبا تنتهي في إسرائيل»، بل يذهب إلى حد التأكيد، على قناة LCI الإخبارية، مخاطبا الفرنسيين، «أن نصرنا هو نصركم في مواجهة الهمجية». ولهذا تؤكد صوفي بسيّس على خطر الخلط بين اليهود والإسرائيليين: فإن كانت إسرائيل تُمثّل جميع اليهود، فإنهم يصبحون مسؤولين عن الجرائم التي تُرتكب باسمهم، بينما تنحدر الدولة العبرية من «موقع الضحية إلى موقع الجلّاد».
برنار جانسان: كاتب وصحافي وأكاديمي فرنسي، عُرف بكتاباته النقدية والسياسية التي تميل إلى اليسار، وباهتماماته بنقد الخطاب الإعلامي والسياسات الغربية، خصوصا في ما يتعلق بالإمبريالية والثقافة الغربية المعاصرة. كما يُعرف بتقديم مراجعات فكرية لأعمال مثقفين نقديين أمثال صوفي بسيّس ونعوم تشومسكي وآلان غريش، ويُركز عادة على تفكيك الأيديولوجيات السائدة في الخطاب الغربي تجاه العالم العربي والإسلامي.
صوفي بسيّس: كاتبة ومؤرخة ومفكرة تونسية ولدت في تونس سنة 1947 من عائلة يهودية من الطبقة المتوسطة العليا. والدتها جولييت بسيّس كانت مؤرخة متخصصة في تاريخ المغرب العربي وناشطة سياسية (اشتراكية/شيوعية)، ووالدها ألدو بسيّس ناشط نقابي وخبير في المنظمات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (FAO). حصلت على شهادة الـ agrégation في التاريخ، وهي شهادة تأهيل عالية في النظام الفرنسي. وتابعت تعليمها وبحثها في فرنسا، بعد انتقالها إليها عام 1975. صحافيا، عملت مع مجلات وصحف مهمة عديدة. وأكاديميا، أستاذة ومحاضرة في الاقتصاد السياسي للتنمية في السوربون. تنتهج منهجا نقديا تاريخيا، تتحرى فيه كيف تُبنى المقولات الكبرى، مثل «الحضارة الغربية»، «الهوية»، «القيم»، «التسامح» وكيف تُستخدم هذه المقولات أحيانا كأدوات للهيمنة والإقصاء. لها العديد من المؤلفات، منها «الغرب والآخرون: تاريخ تفوّق»، و«العرب، المرأة، الحرية»، وكتابها الأخير موضوع هذه المقالة الصادر في مارس/آذار 2025 بعنوان «الحضارة اليهودية – المسيحية: تفكيك بدعة».
المقالة مترجمة عن موقع: en.reseauinternational.net
*كاتب ومترجم عراقي