اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٤ أيار ٢٠٢٦
لم يكن البحر يوماً مجرد أفق ممتد للفلسطيني المحاصر في غزة، بل كان دائماً أملاً لانتظار الضمير العالمي المتضامن معه.
ومن هذا الأفق، *أبحرت سفن أسطول الصمود، لا لتنصر غزة بالسلاح، بل لتكسر عزلة مدينةٍ ذُبحت من الوريد إلى الوريد، وتفتح جسوراً من النور في عتمة الحصار الإبادي*. لكن، وكعادة الطغيان حين يرتعد أمام الحقيقة، واجه الاحتلال هذا الفعل الإنساني السلمي بأنياب القرصنة وعربدة السلاح في المياه الدولية.
عقلية العصابة في ثوب دولة:
في مشهدٍ يندى له جبين الإنسانية، ويختزل الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي يعيشه كيان الاحتلال، خرج المتطرف إيتمار بن غفير بمقطع فيديو يفيض بالتبجح والسادية؛ مُظهراً فيه ناشطين دوليين، أطباء ومسعفين وإعلاميين، وهم مقيدون ومنبطحون على الأرض في ميناء أسدود. وفي حركةٍ استفزازية بائسة، تعمد التلويح بعلم الاحتلال فوق رؤوسهم المحنية قسراً، في محاولةٍ لكسر إرادة أحرار العالم، ناعتاً إياهم بـ 'داعمي الإرهاب'، ومطالباً باحتجازهم في غياهب السجون.
هذا السلوك الصهيوني لا يمثل مجرد حماقة عابرة لوزير مأزوم، بل هو مرآة تعكس العقلية الإجرامية المتجذرة في بنية هذا الاحتلال. إنها سياسة الإذلال والترهيب التي يسعى من خلالها لبعث رسالة ذعر إلى كل من تسول له إنسانيته أن يتضامن مع غزة.
ولقد بلغ قبح هذا المشهد حداً جعل حلفاء الكيان أنفسهم يضيقون به ذرعاً، حيث صرح السفير الأمريكي لدى الاحتلال مايك هاكابي بأن بن غفير بهذا السلوك قد أساء إلى صورة 'إسرائيل' وكرامتها.
بينما كان بن غفير يمارس دور البلطجي على أرصفة الموانئ، كان بنيامين نتنياهو يرتدي قناع الزعامة الزائفة ليشيد بعملية السيطرة على السفن، معتبراً في زهوٍ واهم أنها أحبطت خطة خبيثة لكسر العزلة عن غزة، ومدعياً أن القرصنة تمت بهدوء!
أي هدوء هذا الذي يتحدث عنه مجرم حرب، وهو يحول سفن الإغاثة الإنسانية في عرض البحر الأبيض المتوسط إلى زنازين عائمة؟! إنّ اعتراض سفن مدنية في مياه دولية هو جريمة قرصنة موصوفة، تنتهك بشكل صارخ كافة الأعراف الدولية وحرية الملاحة.
غير أن هذا الهجوم العسكري الغاشم يكشف، في عمقه، عن رعبٍ وجودي ينتاب قادة الاحتلال من أي تحرك شعبي أو إنساني دولي يعري روايتهم الكاذبة، ويحطم جدار الصمت الذي يريدونه غطاءً لجرائم إبادتهم.
سفنٌ بلا سلاح يحرسها الضمير:
إن ما يوجع الاحتلال حقاً في أسطول الصمود هو مدنيته البحتة؛ فالأشرعة لم تكن تخفي وراءها أجندات سياسية، بل قادها متطوعون أحرار من شتى جنسيات العالم—غاب عنهم الفلسطيني تفويتاً لأي ذريعة قد يتذرع بها المحتل.
على الأسطول طواقم من الأطباء الذين جاؤوا ليداووا جراحاً لم تلتئم، ومسعفون يحملون إكسير الحياة لبيئة دمرتها آلة الموت، وإعلاميون تسلحوا بكاميرات عالية الجودة وثقت بالبث المباشر كل تفاصيل الاعتداء، من ليزر القمع ليلاً إلى تقييد الأيدي فجراً.
لقد جاء هذا الأسطول بأهداف إنسانية وقانونية نبيلة: ليوصل المساعدات والمستلزمات الطبية، ويقاوم سياسة التجويع، ويثبت قانونياً أن الحصار المفروض على غزة هو جريمة ضد الإنسانية تجب ملاحقة مرتكبيها في المحاكم الدولية عبر فرق المحامين المرافقة للبعثة.
ربما يتبادر إلى الأذهان أن أثر هذا الأسطول يظل محدوداً بالمعنى المادي، لكن قيمته الحقيقية تكمن في حمولته الرمزية؛ إنه البرهان الساطع على أن غزة ليست وحدها، وأن هناك ناشطين في العالم الحر خاطروا بحياتهم من أجل شعب في غزة يتعرض للإبادة.
هذا *المحتل المجرم على الرغم من رمزية الأسطول يريد أن يحرم هؤلاء الناشطين من دور البطولة ويغلق الباب على أي تضامن مع غزة، يريد لغزة أن تكون سجناً بلا أبواب وممنوعٌ على أهلها حتى الزيارة*.
لكنٌ هذا الصهيوني-المصاب بعمى الغطرسة والتوحش- يوغل في عزلته من حيث لا يدري، وسيزيد من إصرار المناصرين لدعم غزة.
الفكرة لا تموت:
إن الصمت الدولي المريب تجاه هذا التغول والاعتداء على مواطني وناشطين دوليين هو تواطؤ مخزٍ يشجع الاحتلال على المضي في غيه دون حسيب أو رقيب. ومن هنا، بات لزاماً على كل المنصات الإعلامية والحقوقية إطلاق حراك واسع لفضح هذه الممارسات الانتقامية، وتحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة المعتقلين الأحرار.
ليعلم بن غفير، ومن خلفه منظومة الاستعمار بأكملها، أن تقييد الأيدي لا يقيد الأرواح، وأن إنباط الأجساد على الأرض لا يعني انكسار الهامات. إن التضامن مع غزة ليس ترفاً عابراً، بل هو عقيدة الأحرار في هذا العالم. وإذا كان الاحتلال قد نجح اليوم في سحب السفن إلى موانئه المصادرة، فإن الرسالة التي خطها القائمون على الأسطول تظل حية ونابضة: هذا الأسطول ليس النهاية، وإذا سلبتم منا هذه القوارب، فسيأتي أسطول ثانٍ وثالث وبطرق لن تتوقعوها؛ فالسفن قد تُحتجز، لكنّ الفكرة لا تموت، والبحر الذي تغذى على ملح الدموع لن يقبل أن تحكمه شريعة الغاب.

























































