20 مارس : عيد كل التونسيين، فلنحتفل به !
klyoum.com
أخر اخبار تونس:
المركزي الأوروبي يقترب من تثبيت الفائدة وسط تداعيات حرب إيرانوجب على التونسيين إحياء ذكرى الاستقلال تحت سقف الوطنية. كما وجب عليهم التخلي عن إحياء النعرات بكل أشكالها للنبش في ما يفرق و هو الخطأ الفادح الذي لم يختف تماما من الجدل و له أنصار عنيدين يصرون على تصفية حسابات كامنة في النفوس و قادرة على تغذية الانقسام. و لن يكون ذلك ممكنا إلا في ظل القبول بالاختلاف و إعلاء الانتماء الوطني.
سعيد بحيرة *
الاستقلال حدث كبير في تاريخ الشعوب لأنه يرمز إلى الحرية و استرجاع الكرامة المهدورة من طرف الاستعمار، و لأنه تتويج لمسار من النضال و المقاومة خاضها الشعب بطرق ووسائل متنوعة، و قدم خلالها تضحيات نفيسة لها شواهد و رموز في المقابر و المواقع و الأهازيج و الأدب و الفنون و غيرها من التعبيرات. و أفرزت المواجهة مع الاحتلال قيادات سياسية و خطباء و شعراء و أبطالا استثنائيين خلدوا ذكرهم و استحقوا تكريمهم و تعظيم أدوارهم.
و ليس هناك فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار اسهامه في معركة التحرر الوطني، و كل أشكال النضال تستحق التمجيد و التنويه فالأنهار تغذيها الجداول و الجماهير يشكلها الأفراد. و قد حملت بطاقة الانخراط في أول حزب سياسي تونسي (1920) جملة قرآنية معبرة: "و اعتصموا بحبل الله جميعا" حافظ عليها الحزب الدستوري الجديد (1934) و أضاف إليها كلمة "و لا تفرقوا".
أما بطاقة الانخراط في أول منظمة نقابية تونسية اسسها محمد علي الحامي (1924) فتضمنت رسما لتونسي ملتحف ببرنسه و هو يكسر الاغلال التي كانت تكبله. و كان الشاعر أبو القاسم الشابي يخاطب الشعب و يوقظ همته و عزيمته التي يمكنها تحدي المكتوب و القدر. أما الطاهر الحداد الذي لم يدرس العلوم السياسية في الجامعات الغربية فإنه كسر "تابو" نقد الفكر الديني و انتصر للمواطنة التي تساوي بين الرجل والمرأة في كنف التأصل. و استطاعت القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها أن تستنهض الفلاح و العامل و الشاب و المرأة و رجل الدين ليتجاوزوا حاجز الخوف و الخضوع فانخرطت كل الفئات في معركة التحرر الوطني و جسد مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 وحدة القوى لدحر الاستعمار.
ناء السردية الوطنية التي تجمع كل التونسيين
و ليس في هذا الخطاب اي شيء من الرومنسيه بقدر ما فيه قراءة تحاول أن تتسامى عن الانقسام و الانحياز لطرف او فصيل دون آخر و هو الأمر الذي سينخر تلك الوحدة كلما اقترب التونسيون من الاستقلال حتى شارفوا على الحرب الأهلية. و مع ذلك تحررت البلاد بصفة تامة و تخلصت من الحضور الأجنبي نهائيا سنة 1964 مع الجلاء الزراعي. و لم يكن ذلك ممكنا دون المقاومة الأهلية العفوية منذ أن وطأت أقدام الجيش الفرنسي أرض تونس في افريل سنة 1881 فكانت معارك الشمال ثم الوسط ثم الجنوب و أدرك الفرنسيون أنهم يواجهون مقاومة الشعب و ليس جيش الباي الذي انسحب و لم يطلق رصاصة واحدة. و تدريجيا تولت النخب أخذ المشعل لتؤطر أشكال المقاومة و تؤسس أطرها من صحافة و جمعيات و منظمات و أحزاب كانت متنوعة الأفكار و الوسائل لكنها تلتقي في النهاية حول هدف التحرير و الخلاص من الاستعمار. و مكنتها نضالاتها من بلورة الانتماء الوطني الذي استحق تضحيات و شهداء لم تخلو من دمائهم أي جهة من تونس.
هكذا يبدو لي مسار التحرر بغض النظر عن الخلافات الايديولوجية و المواقف الظرفية، و هكذا يمكننا بناء السردية الوطنية التي تجمع كل التونسيين دون أن يتخلوا عن اختياراتهم الفكرية و مقارباتهم السياسية المتنوعة فهم مواطنون شركاء في الوطن قبل أن يكونوا قبائل سياسية متناحرة و هي الحالة التي تطل براسها زمن الأزمات و التحولات، و من المفروض التصدي لها صونا لما بنيناه معا. و وجب إحياء ذكرى الاستقلال تحت سقف الوطنية قبل أن يبلغ الشك مرتبة اليقين. كما وجب التخلي عن إحياء النعرات بكل أشكالها للنبش في ما يفرق و هو الخطأ الفادح الذي لم يختفي تماما من الجدل و له أنصار عنيدين يصرون على تصفية حسابات كامنة في النفوس و قادرة على تغذية الانقسام. و لن يكون ذلك ممكنا إلا في ظل القبول بالاختلاف و إعلاء الانتماء الوطني.
و لا عاش في تونس من خانها و لا عاش فيها من ليس من جندها.
* أستاذ جامعي.