إعلان جدلي في تونس... حرية الإبداع أم مخاوف "التوطين"؟
klyoum.com
نقاش حول الهجرة غير النظامية وسط مطالب متزايدة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم
أثارت مادة إعلانية لمنتج تونسي جدلاً واسعاً، بعد ظهور شخص يجسّد دور مهاجر من دول أفريقيا جنوب الصحراء وهو يطلب العمل أسوة بالتونسيين. ويأتي هذا الجدل في سياق حساس، يتصاعد فيه النقاش حول الهجرة غير النظامية، وسط مطالب متزايدة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم.
في المقابل، يرى عدد من المتابعين أن شهر رمضان يتحوّل في كثير من الأحيان إلى فضاء موائم لتمرير رسائل ضمنية بأساليب غير مباشرة، عبر توظيف جمالية الصورة وقوة التأثير الصوتي بهدف استقطاب انتباه المتلقي والتأثير في مواقفه. بينما يعتبر آخرون أن الإعلانات لا تتجاوز كونها عملاً فنياً يحاكي واقعاً اجتماعياً قائماً.
ومع تفاقم ظاهرة الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء نحو تونس، دعا نشطاء في المجتمع المدني إلى تنظيم وقفة سلمية في الـ28 من مارس (آذار) الجاري، دفاعاً عما وصفوه بـ"سيادة تونس وحق شعبها في تقرير مصيره".
تعتبر الناشطة في المجتمع المدني ريم بالخضيري أن الإعلان يمثّل "دسّاً للسم في العسل"، ووصفته بأنه صورة من صور التطبيع مع فكرة توطين المهاجرين في تونس.
وأوضحت أن الإشكال لا يتعلق بشخص الممثل، وهو تونسي، بل بالدور الذي أدّاه وما يحمله من دلالات في سياق اجتماعي متوتر. وأضافت أن العبارة الواردة في الإعلان "نحب نخدم معاكم" لا يمكن فصلها عن الجدل القائم حول الهجرة وسوق الشغل، معتبرة أن تقديم مهاجر في صورة الباحث عن عمل والمندمج مهنياً يثير تساؤلات حول الخلفية الاتصالية للرسالة.
وتساءلت عمّا إذا كان الأمر مجرد اختيار فني عابر، أم توجهاً يسعى إلى تطبيع فكرة الإدماج خارج الأطر القانونية المنظمة للعمل والإقامة. وشددت على أن القانون التونسي يضبط تشغيل الأجانب وفق شروط محددة، معتبرة أن أي خطاب إشهاري قد يُفهم منه تبسيط لهذا الإطار أو تجاوزه يصبح محل مساءلة أخلاقية واتصالية، خصوصاً عندما يُقدَّم في قالب عاطفي جذّاب.
وأكدت أن الإشكال لا يكمن في التعايش الإنساني أو رفض الآخر، بل في توظيف قضية حساسة ضمن سياق تسويقي قد يُفهم منه تمرير خطاب تطبيعي مع واقع محل جدل قانوني ومجتمعي، مشيرة إلى أن الإشهار أداة قادرة على صناعة التصورات والتأثير في القبول الاجتماعي.
وأضافت أن من حق المستهلك أن يتساءل وأن يتخذ موقفاً، دعماً أو رفضاً، بناءً على قناعاته، لافتة إلى أن الشركات ليست معزولة عن محيطها، وأن اختياراتها الاتصالية تعكس توجهاتها وتتحمل تبعاتها.
من جهته، دعا الناشط السياسي رمزي عطوي إلى مقاطعة المنتج، معتبراً أن الومضة تروّج لفكرة توطين المهاجرين في تونس. ورأى أن ما قامت به الشركة يعكس تبنياً لسرديات العيش المشترك مع مهاجرين غير شرعيين، وفق تعبيره.
وانتقد العبارة المستخدمة في الإعلان، معتبراً أنها تمثل تطبيعاً مع إدماج المهاجرين في سوق العمل بطريقة مخالفة للقانون، مشيراً إلى أن مضمون الرسالة قد يُفهم كدعوة ضمنية للتوطين.
في المقابل، أوضح أن إدراج شخصية مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء في الإعلان يندرج ضمن سياسة اتصالية "خطرة"، على حد وصفه، قد تؤدي إلى تكريس فكرة اندماج هؤلاء ضمن النسيج المجتمعي التونسي.
ويأتي هذا الجدل في ظل تصريحات سابقة للرئيس قيس سعيّد، حذّر فيها من "مؤامرة" لتغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد، وهو ما أعقبه تصاعد اتهامات لبعض الجمعيات بالترويج "للاستيطان"، مقابل دعوات حقوقية تدافع عن حرية التنقل والهجرة.
من زاوية سوسيولوجية، يرى الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي أن الإعلان ليس مجرد عملية تقنية، بل هو ممارسة فنية محمّلة بالدلالات، تمثل صورة من صور التكثيف الرمزي للقضايا المجتمعية.
وأوضح أن تناول موضوع المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في الإشهار يعكس طابعه الرمزي المثير للجدل في تونس، وقد يسهم في ترسيخ هذا الحضور في وعي المتلقي.
وأضاف أن الخطاب الإشهاري يرتبط بالعواطف والتمثلات الجماعية، ويستثمر في منظومة من الرموز، مثل القوة والأمومة والتمييز، التي تحرّكها الصورة والصوت عبر رسائل غير مباشرة.
يتقاطع هذا السجال مع نقاش أوسع في تونس في شأن الهجرة غير النظامية، وبخاصة بعد طرح مقترحات لتعديل قانون الجنسية. ويرى بعض المتابعين أن هذه التعديلات، على رغم تقديمها في ظاهرها كإجراءات تنظيمية، قد تفتح المجال أمام تسهيل منح الجنسية لفئات معينة، وبخاصة الأطفال مجهولو النسب من أصول أفريقية جنوب الصحراء.
وينص الفصل التاسع من المقترح على منح الجنسية التونسية لهؤلاء الأطفال، مع إمكانية سحبها لاحقاً في حال ثبوت النسب، مما أثار انتقادات من أطراف تعتبره تمهيداً لتكريس واقع التوطين.
في المقابل، عبّر رئيس حزب "التحالف من أجل تونس" سرحان الناصري عن رفضه لتوطين أو تجنيس المهاجرين، داعياً إلى سن تشريعات تمكّن السلطات من ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، بدلاً من طرح مبادرات تتعلق بمنح الجنسية.