النائب أولاد جبريل: "اعادة هيكلة مؤسسات ثقافية هو مؤشر على تحوّل في طبيعة تدخل الدولة"
klyoum.com
أخر اخبار تونس:
في عالم أصبح شعاره البقاء للأقوى ...القانون الدولي... ينهارنشر النائب عماد أولاد جبريل مساء اليوم الجمعة على حسابه الرسمي بصفحات التواصل الاجتماعي ما يلي:
"ما يُتداول بخصوص مشاريع إعادة هيكلة عدد من المؤسسات الثقافية لا يمكن قراءته كإجراء تقني معزول، بل كمؤشر على تحوّل في طبيعة تدخل الدولة في المجال الثقافي. هذا التحوّل، كما تظهر ملامحه، يطرح إشكالًا مزدوجًا: إشكال في المنهج، وإشكال في التصوّر.
منهجيًا، تبدو عملية إعداد هذه النصوص منفصلة عن القواعد الحديثة لصياغة السياسات العمومية. فغياب النقاش العمومي المنظم، وعدم تشريك الفاعلين في القطاع، وانعدام المعطيات المنشورة التي تفسّر دوافع التغييرات وأهدافها، كلها عناصر تعكس ضعفًا في الحوكمة. فالتشريع في المجال الثقافي لا يُقاس فقط بسلامة الصياغة القانونية، بل بمدى استناده إلى معرفة دقيقة بالقطاع، وقدرته على استيعاب توازناته وتعقيداته.
الإشكال الأعمق يتعلّق بطبيعة المقاربة المعتمدة. اختزال الإصلاح في ثنائية “الإلغاء أو الدمج” يعكس تصورًا إداريًا ضيقًا، يتعامل مع المؤسسات الثقافية كعبء هيكلي، لا كجزء من منظومة إنتاج رمزي ومعرفي. في حين أن هذه المؤسسات تؤدي وظائف تتجاوز بعدها التنظيمي، باعتبارها فضاءات لإنتاج المعنى، وحوامل لذاكرة جماعية، وأدوات فاعلة في تشكيل الهوية الثقافية.
من هذا المنظور، فإن إلغاء مؤسسات أو دمجها دون تحليل وظيفي دقيق لأدوارها، ودون تصور بديل يضمن استمرارية هذه الوظائف، يؤدي إلى خلل عميق في البنية الثقافية، وليس إلى تطويرها. فالمسألة لا تتعلق بوجود هيكل من عدمه، بل بما يراكمه من خبرات، وما ينتجه من ديناميكيات داخل الحقل الثقافي.
كما يطرح هذا التوجه إشكالية الخلط بين “ترشيد النفقات” و“إعادة بناء السياسات”. فترشيد الموارد هدف مشروع، لكنه لا يمكن أن يكون المحدد الوحيد في قطاع يقوم أساسًا على الاستثمار غير المادي. الثقافة لا تُقاس فقط بمؤشرات الربحية المباشرة، بل بقدرتها على إنتاج القيمة الرمزية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتوسيع أفق الإبداع.
إضافة إلى ذلك، فإن غياب دراسات الأثر، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، يجعل أي قرار في هذا الاتجاه قرارًا عالي المخاطر. فالإصلاح المؤسسي الرصين يفترض إجابات واضحة: ما أثر هذه التغييرات على الإنتاج الثقافي؟ كيف ستُعاد توزيع المهام؟ ما مصير الكفاءات؟ وكيف سيتم الحفاظ على الاستمرارية؟ دون هذه الإجابات، يتحول أي تغيير إلى عملية تفكيك غير مضمونة النتائج.
أما على مستوى التصوّر، فإن ما يظهر هو فراغ استراتيجي. فلا توجد مؤشرات على وجود سياسة ثقافية معلنة تحدد دور الدولة، وحدود تدخلها، وعلاقتها بالفاعلين، ولا على رؤية تضبط الأولويات بين دعم الإنتاج، والتكوين، والترويج، والصناعات الثقافية. وفي غياب هذا الإطار، تتحول القرارات إلى إجراءات متفرقة لا يجمعها منطق واضح.
الأخطر أن هذا التوجه قد يؤدي إلى القطيعة مع التراكم المؤسساتي الذي بُني عبر عقود. فالمؤسسات الثقافية ليست مجرد هياكل إدارية، بل هي مخازن خبرة، وشبكات علاقات، وتراكمات يصعب تعويضها في حال تفكيكها.
بناءً على ذلك، فإن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بضرورة الإصلاح في حدّ ذاته، بل بكيفية إنجازه، وبالأدوات المعتمدة، وبالإطار الفكري الذي يؤطره. فالإصلاح الحقيقي في المجال الثقافي يقتضي الانتقال من منطق إداري ضيق إلى رؤية ثقافية متكاملة:
من قرارات فوقية إلى مقاربات تشاركية،
من اختزال المسألة في الكلفة إلى اعتبارها استثمارًا طويل المدى،
ومن إعادة ترتيب الهياكل إلى إعادة تعريف الأدوار والوظائف.
في غياب هذه الشروط، فإن أي محاولة لإعادة الهيكلة ستظل محدودة الأثر، وقد تفضي إلى إضعاف المنظومة بدل تطويرها، عبر فقدانها لأدواتها وخبراتها، دون أن تكتسب بدائل قادرة على التعويض".