اخبار سوريا

سناك سوري

سياسة

السلطة والصحافة في سوريا: منطق المواجهة بالمنع

السلطة والصحافة في سوريا: منطق المواجهة بالمنع

klyoum.com

يشكل منع 3 وسائل إعلامية في سوريا نقطة تحول في مسار الإعلام السوري خلال المرحلة الانتقالية، وإن كان البعض ينظر له كإجراء تنظيمي فإن عمقه يعكس مخاطر شديدة حول إعادة إنتاج أسلوب المواجهة بالمنع.

كان السوريون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يحتاجون ترخيصاً لإطلاق صحفهم، كـ"مرآة الأحوال" للراحل رزق الله حسون، و"حديقة الأخبار" للراحل خليل خوري واللذين ساهما في تأسيس الصحافة العربية.

وفي مطلع القرن العشرين، لعبت الصحافة السورية دوراً جوهرياً بالتحفيز على الاستقلال واعتماد العربية لغة رسمية في البلاد، ومنع التجنيد الإجباري خارج سوريا، وغيرها من القضايا الوطنية التي لم تكن تُعجب السلطات العثمانية، بما في ذلك حقوق المرأة التي كانت مريانا المراش ابنة حلب من أولائل المناصرات لها.

واجهت السلطات الصحف بالقمع والرقابة منذ البداية، واستمر الحال في فترة الانتداب الفرنسي التي أخضعت فيها جميع الصحف للرقابة عام 1939 واتُّخذ قرار بسجن صاحب أي صحيفة لا تحظى بتصريح نشر مسبق من قبل المندوب السامي.

بعد الاستقلال منح وزير الداخلية حق منح التراخيص للصحف، وكذلك سحب هذه التراخيص في حال تجاوزت الخطوط الحمراء الموضوعة آنذاك.

أفضل وصي على الصحافة هو ضمائر الصحفيين والصحفيات وأفضل رقيب عليهم هو الدستور والقوانين الدولية ذات الصلة وما تحدده من حريات وحقوق، ولا تنظيم يحتاجونه أكثر من نقابات تحمي حقوقهم ودولة تحمي حريتهم وحقهم بالوصول للمعلومة

الواقع ازداد سوءاً مع إعلان الوحدة مع مصر، حيث منعت تباعاً أكثر من 55 صحيفة كانت تصدر آنذاك، ولاحقاً في فترة الوحدة صدرت قرارات متعلقة بالرقابة والسماح والمنع.

وفي 28 آذار 1963، سحبت سلطات البعث تراخيص الصحف التي كانت قد عادت للصدور بعد الانفصال عن مصر، وبعد عام 2000 صدر قانون مطبوعات جديد حافظ على ثقافة الترخيص والسماح والمنع أيضاً.

لختام هذا الاستعراض التاريخي نستحضر من كتاب "نصيب البخاري" تاريخ الصحافة السورية واللبنانية قرار الباب العالي في عام 1867 بأن منح نفسه حق التصرف بحرية الصحافة واخضاعها لشروط وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.

هذا السياق التاريخي من المواجهة بين السلطة والصحافة عبر السماح والمنع، أو الترخيص وسحب الترخيص تحت مسميات المصلحة العامة أو الإطار القانوني يجعل هذا المنطق بحد ذاته مخيفاً لمن يعملون بالصحافة وينظرون له بكثير من القلق والريبة على مستقبل الصحافة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها.

عيد الصحافة السورية… ممنوعة من الموت والحياة- بلال سليطين

فما هو حاضر في أذهاننا وفي أعماق المخاوف أن التنظيم يعني التأطير، والترخيص يعني السيطرة، والمصلحة العامة تعني تقييد الحريات، وأن وزارة الإعلام تعني الوصاية، سواء كان هذا الواقع حالياً أو لم يكن لكن هذه الصورة التراكمية التي لا يمكن تجاهلها.

وعندما تمر الصحافة السورية بكل هذا التاريخ من التقييد والوصاية تصبح كل خطوة تخطوها السلطات تجاه الصحافة في المرحلة الانتقالية موضع خوف وقلق، ويجب أن تحسب وزارة الإعلام كل خطوة تخطوها بشكل مضاعف ليس فقط لكي لا تعيد إنتاج ثقافة المواجهة بالمنع، بل لتزيل هذه الثقافة حتى من اللاوعي الجمعي لشريحة واسعة من السوريين الذين يعتقدون بضرورة الوصاية والضبط والرقابة والتنظيم التقليدي للعمل الصحفي.

بينما فعلياً أفضل وصي على الصحافة هو ضمائر الصحفيين والصحفيات وأفضل رقيب عليهم هو الدستور والقوانين الدولية ذات الصلة وما تحدده من حريات وحقوق، ولا تنظيم يحتاجونه أكثر من نقابات تحمي حقوقهم ودولة تحمي حريتهم وحقهم بالوصول للمعلومة.

خلال عقود طويلة في سوريا كانت الصحافة التي لا تلتزم المصلحة العامة كما تراها السلطة وفق مصالحها تُمنع لِتُسكت وتموت، والصحافة التي تلتزم الصمت تمرض وتموت، لكن الفرق بينهما كان بالجنازة: بين من تحمل على الأكتاف ومن يداس عليها. بلال سليطين

وقد استُبعدت سوريا من مؤشر "فريدوم هاوس" للحريات، والذي يغطي عام 2025، واستمر تصنيفها ضمن الدولة غير الحرة، وهنا تتحمل وزارة الإعلام إلى جانب الحكومة السورية مسؤولية عدم دخول سوريا في تصنيف الدول الحرة لأسباب تتعلق بالحريات الصحفية والحياة السياسية أيضاً.

لكن في ظل ظروف كهذه يمكن لوزارة الإعلام أن تكون النموذج الأفضل لحماية مكتسبات الحرية في البلاد والوصي على إدارة هوامشها بالتوسيع لا بالتضييق، وإعادة سوريا إلى منصات التصنيف.

ربما يمكن تفهم حاجة الوزارة لتنظيم العمل الإعلامي، لكن التنظيم لا يعني التقييد، فعلى الرغم من مرور عام كامل على تشكيل الحكومة الانتقالية إلا أن الوزارة لا تزال تعمل بالتصاريح المؤقتة للصحفيين/ات سواء على المستوى المركزي أو المحلي.

كما أنها في عملية التنظيم لا تعترف بأي عملية ترخيص سابقة، وتطلب ترخيصاً جديداً لكل وسائل الإعلام العاملة مسبقاً، بدلاً مثلاً من أن تطلب تحديث المعلومات، على اعتبار أن الترخيص الموجود لا يلغيه إلا قرار إداري أو قضائي معلل الإلغاء. رغم تحفظي على مبدأ الترخيص من أساسه ودعمي لمنهجية العلم والخبر فقط بحيث يتم اخطار الوزارة باسم المالك وصورة هويته ليكون المسؤول القانوني عن ما ينشر وفقط.

بالإضافة إلى ذلك في تعليماتها التنفيذية للتراخيص تضع شرطين مخيفين: الأول له علاقة بالرقابة، والثاني له علاقة بصلاحية الترخيص ومدته والحاجة لتجديده دورياً. وهو ما يجعل الوسائل الإعلامية دائماً رهينة الوزارة وليست أمام بيئة قانونية ودستورية للتعامل معها.

الصحافة السورية… نحو الفن والرياضة دُرْ – بلال سليطين

كذلك الحال فإنها تحمّل أعباءً مادية للوسائل الوليدة بأن تلزمها بدفع 1000 دولار للترخيص وهذه كتلة مالية كبيرة على المؤسسات الوليدة، ومطلوب من الوزارة أن تدعم التأسيس وتجعله مجاناً، وأن توفر إعفاءات ضريبية لوسائل الإعلام في سنواتها الثلاثة الأولى حتى تشجّع على إطلاق الوسائل الإعلامية وتعزيز مناخ حرية التعبير.

وأخيراً في قضية المؤسسات الإعلامية التي قررت الوزارة معاقبتها بمنعها "هاشتاغ، الدليل، جسور نيوز"، فإنها اختارت أسوأ الطرق في ذاكرة السوريين المرتبطة بحرية الإعلام وحرية التعبير وهو طريق "المنع"، بالمقابل كان أمامها عديد الخيارات التي تتيح لها التأسيس لمنهج جديد قائم على تقديس الحرية كحق لا يصادر بجرة قلم وقرار وزاري وعلى ترسيخ الإعلام كسلطة لا يمس بها إلا بالقضاء وبالعدل.

وبدل أن تمنع كان يمكنها أن تفرض غرامة مالية عن كل يوم عمل من دون ترخيص بعد هذا القرار، وأن تتيح للوسائل الاستمرار بالعمل لفترة محددة بينما تستكمل التراخيص قبل أن يتم تحويلها للقضاء المختص للتعامل مع مخالفتها دون أن تضع نفسها وزارة الإعلام في موقع المنع من حق هي مؤتمنة عليه. وغير ذلك من الخطوات التي لا تؤسس لمنطق المنع والخوف والتقييد بل تعزز منطق التنظيم دون استدعاء أدوات المنع المرتبطة بالذاكرة السورية السلبية.

لكن الوزارة ذهبت بعيداً حتى بتجريم الصحفيين/ات الذين يتعاملون مع هذه الوسائل وهذا موقف يحسب على الوزارة سلبياً وستحتاج كثيراً لتصحيح هذا الانحراف الكبير في دورها ووظيفتها، خصوصاً بعد أن وضعت هذه الوسائل والعاملين فيها بخطر يؤثر على السلامة الشخصية بالإعلان عن المنع بهذا الشكل.

وأخيراً خلال عقود طويلة في سوريا كانت الصحافة التي لا تلتزم المصلحة العامة كما تراها السلطة وفق مصالحها تُمنع لِتُسكت وتموت، والصحافة التي تلتزم الصمت تمرض وتموت، لكن الفرق بينهما كان بالجنازة: بين من تحمل على الأكتاف ومن يداس عليها.

*المصدر: سناك سوري | snacksyrian.com
اخبار سوريا على مدار الساعة