حكايات محفورة على النحاس.. سوق النحاسين إرث دمشقي مهدد بالزوال
klyoum.com
يحفر حرفيو دمشق تراثهم على النحاس منذ قرون، لكن سوقهم العريق يواجه خطر الزوال مع تغير الأذواق، وتراجع الطلب، وغياب الدعم الرسمي، في وقت تستمر فيه محاولاتهم للحفاظ على الحرفة وتوريثها لأبنائهم.
ينتقل جمال دمشق وسحرها إلى بلدان العالم عبر القطع النحاسية التي يصنعها النقّاشون والحرفيون في أحيائها القديمة. يندر أن يخلو مطعم عربي أو منزل دمشقي من قطعة نحاسية منقوشة بأيدٍ ماهرة، تعبّر عن ذاكرة المدينة وتاريخها الذي قاوم الاندثار رغم الحرب والصعوبات. لم يكتف الحرفيون بالحفاظ على مهنتهم، بل نشروا منتجاتهم في الدول العربية، وورثوا حِرفتهم للأجيال الجديدة، كجزء من هوية دمشق.
وعند التجوال في أحياء دمشق القديمة، يتوقف الزائر أمام سوق المناخلية ليتأمل السوقين المسقوفين المتجاورين المعروفين بـ "سوق النحاسين"، حيث ينعكس الضوء على البريق الذهبي والنحاسي الذي يغلف المكان. كل قطعة تحكي قصة، وكل نقشة تحافظ على بصمة صانعها الذي يواصل العمل بتفانٍ، رغم تقدمه في العمر، متحمّلاً مشاق الطرق والحرارة والضجيج.
تتطلب صناعة قطعة نحاسية واحدة أكثر من أسبوع من العمل الشاق، وتتسبب في أضرار صحية للعاملين فيها، أبرزها ضعف السمع بسبب الطرق المستمر، وآلام في الظهر واليدين. ومع ذلك، ينسى الحرفيون ألمهم عندما ينتهون من العمل، ويتأملون النقوش التي رسموها، والتي تتنوع بين آيات قرآنية ونقوش عربية ومجسمات للجِمال والخيول والغزلان.
"لن نسمح باندثار المهنة"
قال "أبو خالد"، أحد الحرفيين الذين ورثوا المهنة عن والدهم، لموقع "تلفزيون سوريا": "يعود تاريخ سوق النحاسين إلى نحو 300 سنة، وكان يقع في منطقة السنجقدار، أما اليوم فهو في شارع الملك فيصل قبالة سوق المناخلية".
أوضح أبو خالد أن السوق يشهد تطورًا رغم التحديات، وأكد تمسكه بالمهنة قائلاً: "لا يمكن أن نسمح باندثارها، نحن ورثناها من آبائنا، ونعلمها لأبنائنا. لكننا نُحدث فيها تغييرات تناسب حاجة السوق". وأشار إلى أن الطلب على الأدوات المنزلية النحاسية تراجع بعد انتشار الألمنيوم والبلاستيك، ولذلك تحوّل أغلب الحرفيين لصناعة التحف الفنية ومصبات القهوة والأواني الكبيرة التي تُبرز مهارة صناع دمشق.
وأوضح أنه بدأ بصناعة الأواني التي تطلبها المطاعم، مثل قدور الفول والتسقية الشامية والحمص، لأن النحاس يحفظ الحرارة لفترة طويلة، ويُعتبر صحيًا أكثر من البلاستيك والمعادن الأخرى. وأضاف أن الباعة الجوالين يقبلون على شراء القدور النحاسية لسلق الذرة والبليلة، مشيرًا إلى أن تزايد المطاعم الشعبية أعاد بعض النشاط للسوق.
تحول نحو التحف الفنية
قال سامر محمد الفحام، صاحب ورشة ومحل للنحاسيات، إنه غيّر توجهه في العمل بسبب ارتفاع أسعار النحاس وقلة الطلب، بعد دخول خامات جديدة كالستانلس والبلاستيك. وأضاف لموقع "تلفزيون سوريا": "أصبحنا نصنع التحف لتزيين البيوت والمطاعم، كدلال القهوة، والمناقل، ومجسمات للجمال والغزلان، وفوانيس وثريات وسيوف وخناجر، إضافة للوحات جدارية يُكتب عليها بالضغط على النحاس".
وبيّن أن الكثير من هذه التحف تلقى رواجًا اليوم لتزيين مكاتب المنازل، وبعضها يُزيَّن بخيوط ذهبية وفضية. وتابع: "قبل الحرب والحصار، كانت هذه القطع تُصدَّر إلى الخارج، وتُعرض في السفارات والمضافات العربية، وبهذا التطوير استطعنا حماية المهنة من الانقراض".
مطالب بحماية الحرفيين
أكد سامر أن الحرفيين يواجهون تحديات كبيرة، على رأسها ارتفاع سعر الصفيحة النحاسية، ونقص المواد الأولية مثل الفحم والغاز، إلى جانب سنوات الحرب التي منعت السياح وأوقفت التصدير. وأضاف: "السوق يعاني من الإهمال الكامل، ولا نحصل على أي دعم من وزارة السياحة أو نقابة المهن اليدوية".
وأشار إلى أن قطعا نحاسية نادرة أصبحت تُباع على الأرصفة وفي "سوق الحرامية" بأسعار منخفضة جدًا، ما أثر على سمعة الحرفيين. وقال: "هواة النحاس يشترون من البسطات ويتهموننا برفع الأسعار، رغم أن تلك القطع لا تُصنع إلا هنا في السوق، مثل المكاحل والهاون ومصبات القهوة وطاسات الرعبة". وطالب النقابة بحماية حقوقهم وتحديد أسعار عادلة توازي الجهد المبذول.
أزمة اقتصادية تدفع الدمشقيين لبيع مقتنياتهم
قالت "أم تامر"، سيدة دمشقية عشقت النحاسيات: "قضيت عمري أجمع هذه القطع، وخصصت لها ركنًا من بيتي، وكنت ألمّعها دائمًا كأنها قطعة من الأثاث، لكنها بيعت رغماً عني بسبب الحاجة للمال من أجل العلاج".
أضافت أنها كانت تشتري القطع وتطلب نقشات خاصة عليها، وما زالت تستخدمها في الطبخ لأنها صحية وآمنة. وقالت: "اضطررت لبيع 250 قطعة نادرة دفعة واحدة، بسعر منخفض، لأني بحاجة لمبلغ مالي سريع".
من جانبه، قال "عمر"، هاوٍ لتجميع النحاسيات: "اضطررت لبيع 150 قطعة ملونة، من الأحمر والأبيض والأصفر، لبائع جملة. كنت أعتبرها مدخرات للأيام الصعبة، واشتريتها قطعةً قطعةً، متأملاً بتحسّن الأوضاع".
إرث دمشقي مهدد بالاختفاء
يقع سوق النحاسين وسط دمشق، في شارع الملك فيصل، ويضم سوقين ضيقين متجاورين ومغطّيين، ويُعتبر من أقدم أسواق المدينة.
وتُعدّ حِرفة النحاسة من أقدم الصناعات التقليدية في سوريا، وتعود إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وازدهرت في بلاد الشام، خصوصًا في دمشق، التي أصبحت مركزًا لهذه الصناعة. حافظ صُنّاعها على تقاليدها القديمة، وطوروا أدواتها لتناسب احتياجات العصر، لكن واقع اليوم يهدد بزوالها في حال غاب الدعم واستمر الإهمال.