تسريبات المفاوضات السورية-الإسرائيليّة: هل تلتزم دمشق بـ"السلام"؟
klyoum.com
أخر اخبار سوريا:
جمعية مصرية تختار جمانة مراد سفيرة لحملة التوعية بالتوحديمكن فهم الدور الأميركي بوصفه سعياً إلى "شراء" مكسب سياسي – أمني قابل للتسويق، أو "صفقة" حسب تعبير دونالد ترامب، صفقة تتجاوز الجنوب السوري ذاته نحو سردية أوسع: واشنطن استطاعت تحويل سلطة ذات ماضٍ جهادي أو سلفي إلى طرف مندمج في منظومة "محاربة داعش" وضبط الاستقرار المحلّي.
تزداد في الآونة الأخيرة كثافة التسريبات التي تتحدث عن تفاهمات سورية – إسرائيلية برعاية أميركية، تُقدَّم أحياناً بوصفها ملامح "سلام منشود" يعيد صياغة خطوط الاشتباك في الجنوب السوري، مع منح السويداء وضعاً أمنياً خاصاً يرتبط بحماية الطائفة الدرزية وضمان عدم تحوّل المنطقة إلى مصدر تهديد لإسرائيل.
وفي بعض النسخ الأكثر إثارة، تذهب التسريبات إلى الحديث عن موافقة سلطات دمشق على صيغة شبيهة بـ"تأجير" هضبة الجولان لمدة 25 عاماً، عبر إعادة إنتاج التنازل بلبوس مؤقت، بما يُفرغ عملياً خطوط 1974 من مضمونها السيادي.
التدقيق في طبيعة هذه التسريبات يفرض قراءة أكثر تحفظاً على مستويات عدة، قانونية وسياسية. فالمطروح حتى الآن أقرب إلى هندسة أمنية مرحلية هدفها خفض المخاطر وتثبيت قواعد اشتباك مستحدثة، لا تسوية تاريخية تنهي الصراع. الفارق هنا جوهري؛ فالسلام بالمعنى القانوني والسيادي يتطلب اعترافاً متبادلاً، وتفاهمات حول ملفات سيادة شديدة التعقيد، في مقدمها الجولان، إضافة إلى شرعية داخلية سورية قادرة على تحمّل كلفة التحوّل وما يرافقه من انقسامات واعتراضات.
هذه الشروط ليست متوافرة في سلطة دمشق التي تراهن على التوافقات الدولية، فيما تخسر رهانها الداخلي على توحيد البلاد سياسياً، أو تُظهِر عجزاً عن إنجاز ذلك إلا بأدوات القوة وما تخلّفه من تشققات مجتمعية إضافية.
في المقابل، يمكن بناء ترتيبات أمنية من دون المرور بأثمان سياسية كبرى، لأنها تنتمي إلى حقل "إدارة التهديد" أكثر مما تنتمي إلى حقل "حل النزاع"، وتقوم على مبدأ قابلية التحقق والقياس: تخفيض التسليح جنوباً، منع التموضع المعادي، ضبط الحدود، وإقامة آليات اتصال تمنع الاحتكاك والتصعيد غير المحسوب، هذه الملامح نقرأها في البيان السوري – الإسرائيلي المشترك الذي أصدره البيت الأبيض.
تضخيم هذه الإجراءات في الخطاب الإعلامي محاولة لتحويل "تفاهم تشغيلي" إلى "إنجاز سياسي"، وهو نمط مألوف في بيئات تفاوض غير متكافئة، حيث يُستخدم العنوان الكبير لتغطية مضمون محدود لكنه وظيفي ومفيد لجميع الأطراف في لحظته.
مكسب واشنطن: إعادة تدوير سلطة إشكاليّة إلى شريك ضد داعش
هذا التحوّل لا يُقرأ بالضرورة بوصفه تحوّلاً أيديولوجياً عميقاً، بل بوصفه تحولاً وظيفياً تُفرض شروطه عبر حزمة من الحوافز والقيود في آن واحد: الاعتراف والغطاء مقابل الانضباط، والانفتاح الدولي مقابل الالتزام بعدم عودة التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، وإعادة إدماج سوريا تدريجياً مقابل تقديم تنازلات أمنية تتعلق بالجنوب وحدوده وترتيباته الميدانية.
وهنا يدخل العامل الخليجي بوصفه رافعة مكمّلة لهذا المسار؛ إذ تُدار الصفقة وفق قاعدة "الدعم مقابل الضبط"، حيث تصبح الموارد الخليجيّة أداة لتثبيت سلوك سياسي وأمني محدد، لا مكافأة مجانية. وفي حال ارتبط هذا المسار بمناخ سياسي أميركي يبحث عن إنجازات سريعة قابلة للعرض – كما في منطق "الصفقات الكبرى" الذي فضّله ترامب تاريخياً – فإن قيمة هذا المكسب تزداد: تهدئة حدودية، تقليص تهديد داعش، وإظهار انتقال لاعب إشكالي إلى موقع "الشريك" ضمن معادلة الأمن الإقليمي، من دون تورط عسكري أميركي واسع.
هذا كله يبقى رهناً بشرط حاسم: قدرة السلطة في دمشق على تحويل هذا التعهد إلى وقائع قابلة للاستمرار، لا إلى التزامات لفظية تنهار عند أول اختبار داخلي. وهو شرط صارم لأن صورة السلطة الجديدة لا تُختبر في ملفات داعش فقط، بل أيضاً في سجلها الداخلي، وفي كيفية إدارتها التوترات المجتمعية، ودرجة انضباط أجهزتها وفاعليها المحليين.
في هذا السياق، لم يعد الحديث عن عنف ذي طابع طائفي أو مناطقي افتراضاً تحليلياً بقدر ما أصبح واقعاً تُثبته الوقائع بعد عام من حكم الشرع؛ إذ برزت مجازر مارس/ آذار بحق العلويين في الساحل السوري، ثم جاءت مجزرة السويداء في تموز/ يوليو، حيث ارتكبت القوات التابعة للحكومة المؤقتة – بحسب توصيف منظمات دولية عدة – جرائم حرب موثّقة، وقد تعززت خطورة هذه المؤشرات مع التقرير المبدئي الذي قدّمه سبعة من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، بما يمنح هذا الملف بعداً قانونياً دولياً لا يمكن اختزاله في سرديات أمنية داخلية أو تبريرات سياسية ظرفية.