هل النسوية عدو الرجال أم شماعة الخوف من التغيير؟
klyoum.com
ما تزال كلمة "نسوية" تستقبل بكثير من الالتباس والحذر في غالبية المجتمعات السورية، رغم أن الواقع خلال سنوات الحرب فرض أدواراً جديدة على النساء داخل العائلة والمجتمع، بين تغير فعلي في المسؤوليات وبقاء القيود في الفضاءين العام والسياسي، تتحدث رولا الركبي، عضو الحركة السياسية النسوية السورية، عن هذا التناقض وعن صعوبة تحويل حضور النساء على الأرض إلى اعتراف كامل بحقوقهن.
حول أسباب الالتباس حول مفهوم النسوية، ترى الركبي أن الكلمة دخلت النقاش العام في سوريا محملة بصور نمطية واختزالات، من دون أن يرافقها نقاش مجتمعي واسع يوضح معناها بوصفها فكرة مرتبطة بالعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وتشير إلى أن النسوية تقدّم كثيراً كفكرة مستوردة أو كتهديد للقيم الاجتماعية، بينما تقوم في جوهرها على سؤال بسيط يتعلق بحق النساء في الحرية والكرامة والفرص.
وتضيف أن حساسية هذا النقاش ترتبط أيضاً بطبيعة مجتمع عاش لعقود تحت سلطة سياسية أبوية، ثم في ظل حرب قاسية، ما جعل أي حديث عن إعادة توزيع السلطة داخل العائلة والمجتمع موضوعاً يواجَه بالخوف أو بسوء الفهم قبل أن ينظر إليه كطرح يدافع عن العدالة.
وعن ربط النسوية بمعاداة الرجال أو تهديد بنية الأسرة، تقول الركبي إن النسوية ليست موقفاً ضد الرجال، بل موقف ضد الظلم والمنظومات التي تضع النساء في موقع أدنى أو تفرض عليهن أدواراً محدودة، وترى أن النسوية لا تعني صراعاً بين الجنسين بقدر ما هي محاولة لبناء علاقة أكثر عدلاً وتوازناً بين النساء والرجال.
وتضيف أن الأسرة لا تضعف عندما تقوم العلاقة داخلها على الاحترام والمشاركة في القرار وتحمل المسؤولية، بل تصبح أكثر استقراراً عندما تعامل المرأة كشريكة كاملة وليست طرفاً تابعاً.
وحول الخطوة الأهم لتقريب مفهوم النسوية من المجتمع السوري، ترى الركبي أن ذلك يبدأ بالحديث عنها بلغة الحياة اليومية، بعيداً عن المصطلحات الكبيرة والمجردة، وتوضح أن ربط النسوية بالقضايا التي تعيشها النساء فعلاً، مثل الأمان من العنف، والحق في العمل، والمشاركة في اتخاذ القرار داخل العائلة، والقدرة على العيش بكرامة، يجعلها أكثر قرباً من الناس وأقل إثارة للريبة.
وتشير إلى أن فهم النسوية بوصفها جزءاً من العدالة داخل الأسرة والمجتمع يساعد على تحويلها من فكرة ينظر إليها بحذر إلى قضية تمس الحياة اليومية لكثيرين.
رولا الركبي: ما تزال هناك محاولات لإعادة فرض قيود على النساء، خصوصاً في ظل النظام الانتقالي الجديد، من خلال الحد من بعض الحريات الشخصية وطرح صورة واحدة للمرأة في الفضاء العام ذات مرجعية دينية محددة
وعن أكثر الأفكار المغلوطة انتشاراً حول النسوية في المجتمع السوري، تقول الركبي إن الاعتقاد بأن النسوية تعني رغبة النساء في أن يصبحن مثل الرجال أو السيطرة عليهم هو الأكثر حضوراً في النقاش العام، وترى أن هذه الفكرة تنتشر لأن الحديث عن النسوية يقدّم غالباً بوصفه صراعاً بين الجنسين، لا نقاشاً حول المساواة في الحقوق والفرص.
وتضيف أن بعض الخطابات المحافظة تعزز هذا التصوير بهدف تخويف المجتمع من أي تغيير قد يمس البنى التقليدية، ما يساهم في ترسيخ سوء الفهم حول جوهر النسوية ومعناها.
رولاالركبي: النسوية لا تعني صراعاً بين الجنسين بقدر ما هي محاولة لبناء علاقة أكثر عدلاً وتوازناً
وتشرح الناشطة النسوية معنى المصطلح للنساء فتقول: «النسوية تعني أن تعبكِ وحياتكِ وقراراتكِ لها نفس القيمة مثل أي شخص آخر، تعني أن من حقكِ أن يكون لكِ رأي في حياتكِ، وأن تُعاملي باحترام، وأن تكون الفرص متاحة لكِ كما هي متاحة لغيرك. النسوية ليست فكرة معقدة أو بعيدة عن حياتنا، بل هي دفاع عن حق النساء في العدل والكرامة داخل البيت وفي المجتمع».
وعن تأثير سنوات الحرب وتغير الأدوار داخل كثير من العائلات السورية، ترى الركبي أن هذه المرحلة كشفت بوضوح قدرة النساء على تحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية كبيرة، بعدما أصبحت كثيرات منهن المعيلات الأساسيات لأسرهن أو شريكات فعليات في إدارة شؤون الحياة اليومية، وتقول لـ"سناك سوري" إن هذا التحول ساهم في خلق وعي جديد بدور النساء في المجتمع وقدرتهن على الجمع بين إدارة الحياة العامة والخاصة.
لكنها تشير في المقابل إلى تناقض واضح في المرحلة الحالية، إذ إن تغير الأدوار على أرض الواقع لا يوازيه اعتراف كامل بحقوق النساء فبحسب قولها، ما تزال هناك محاولات لإعادة فرض قيود على النساء، خصوصاً في ظل النظام الانتقالي الجديد، من خلال الحد من بعض الحريات الشخصية وطرح صورة واحدة للمرأة في الفضاء العام ذات مرجعية دينية محددة، وكأن المجتمع لا يتسع لتنوع تجارب النساء.
وتضيف أن إقصاء النساء عن الحياة السياسية وصنع القرار ما يزال ملموساً، إذ يجري إشراكهن أحياناً بنسبة ضئيلة أو بصورة رمزية لا تعكس حجم الدور الذي لعبنه خلال سنوات الثورة والحرب، وترى أن هذه اللحظة مفصلية، لأن النساء أثبتن حضورهن وقدرتهن، لكن الصراع ما يزال قائماً حول الاعتراف الكامل بمكانتهن وحقوقهن في الفضاءين العام والسياسي، في ظل تناقض بين خطاب رسمي يتحدث عن الانفتاح والانتقال وواقع يفرض قيوداً جديدة.
وقالت: «خطاب رسمي يتحدث عن انفتاح وانتقال، مقابل واقع مليء بالقيود على النساء، هذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً حول عمق التغيير وحدوده».
تضع رولا الركبي هذا النقاش في سياق أوسع يتجاوز الجدل حول المصطلحات، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بشكل المجتمع الذي يتشكل اليوم وحدود التغيير الممكن فيه، وبين واقع فرض حضور النساء في مجالات العمل والإعالة والمسؤولية، واستمرار الصراع حول الاعتراف الكامل بحقوقهن ومشاركتهن في القرار، ترى أن المرحلة الراهنة ستحدد إلى حد كبير مكانة النساء في سوريا المقبلة.
ورولا الركبي من مواليد حماة ومقيمة سابقاً في دمشق، خريجة أدب فرنسي من جامعة دمشق وحاصلة على ماجستير في التاريخ من فرنسا، انخرطت في العمل السياسي والنسوي قبل انطلاق الثورة السورية، وهي عضوة مؤسسة في شبكة المرأة السورية واللوبي النسوي السوري والحركة السياسية النسوية السورية، وكانت من أوائل النساء المشاركات في المظاهرات ضد النظام السابق عقب انطلاق الثورة السورية.