اخبار السودان

اندبندنت عربية

سياسة

الصدمات النفسية تلاحق الناجين من حرب السودان

الصدمات النفسية تلاحق الناجين من حرب السودان

klyoum.com

كشفت منظمة الصحة العالمية عن تفشي حالات الاكتئاب والقلق بصورة كبيرة في الخرطوم

لم تقتصر مأساة الحرب في السودان على القتل والنزوح والتداعيات الكارثية التي طاولت البنية التحتية، بل امتدت آثارها المدمرة إلى الإنسان، إذ تعرّض النازحون وأيضاً الأطفال لانتهاكات جسيمة، منها الاختطاف والعنف الجنسي والدمار والرعب، وكذلك فقدان الأهل نتيجة الموت أو الإصابات والتهجير القسري.

 

وكشفت منظمة الصحة العالمية، في تقرير لها، عن تفشي حالات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة بصورة كبيرة في العاصمة السودانية الخرطوم، إذ بلغت نسبة الانتشار 12 في المئة بين طلاب المرحلة الثانوية ونحو نصف النازحين. وبيّن التقرير أن "النزاعات الممتدة في السودان أفرزت عبئاً كبيراً من اضطرابات الصحة النفسية، إذ تنتشر حالات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة بنسبة 12 في المئة بين طلاب الثانوية في العاصمة الخرطوم، وأكثر من 59 في المئة بين السكان النازحين". وأشار التقرير إلى أن "الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، بمواجهتهم الاختطاف والعنف الجنسي، وكذلك التجنيد القسري، وزواج الأطفال، مما يعرضهم لصدمات نفسية ومعاناة طويلة الأمد". وأوضح التقرير أن "الاضطرابات الذهانية الكبرى تعد نادرة نسبياً، في حين تفتقر البيانات المتعلقة بالانتحار وتعاطي المخدرات إلى الدقة لعدم توفرها، ويقدر أن أكثر من شخص من بين كل خمسة يعيشون في مناطق النزاع يعانون اضطراباً نفسياً". ولفت التقرير إلى أن "النزاع وتدمير البنية التحتية الصحية أضعفا قدرة السودان على الوقاية من الأمراض غير السارية وإدارتها، مما جعل السكان أكثر عرضة للخطر، إذ ارتفعت نسبة الوفيات المرتبطة بالأمراض غير السارية من 32 في المئة عام 2022 إلى 54 في المئة عام 2025، في ظل غياب بيانات حديثة عن الأعوام التالية".

في السياق، قالت ماجدة عمران التي تسكن منطقة الجرافة في أم درمان إن "ابنها، الطالب في الصف الأول بالمرحلة الثانوية، تغيّر سلوكه بصورة كبيرة بعد مغادرة منزلهم، إذ أصبح يعاني الحزن العميق وفقدان شغف الدراسة وضعف التركيز، وكذلك اضطرابات النوم، فضلاً عن نوبات الغضب والإحباط"، وأضافت "بات يفتقر إلى الطاقة والاهتمام بالأنشطة اليومية، إلى جانب فقدان الوزن وافتعال مشكلات مستمرة، علاوة على تجنب اللعب مع أقرانه في الحي ورفض الذهاب إلى المدرسة"،  وأوضحت عمران أنها "في الفترة الأخيرة لاحظت تصرفات مقلقة يقوم بها ابنها مثل العنف ضد زملائه، وكذلك الحركة المفرطة داخل المنزل، وأسهم هذا الوضع في التأثير في تحصيله الدراسي وصحته بسبب الامتناع عن الأكل".

من ناحيته، يعيش الطاهر إبراهيم الذي يقيم حالياً في أحد مراكز الإيواء بمدينة الأبيض غرب السودان، ظروفاً صعبة بعدما نزح من مدينة النهود نتيجة تصاعد الانتهاكات والجرائم البشعة التي تمارسها قوات "الدعم السريع" ضد المدنيين. وأوضح إبراهيم أن "ابنته، 19 سنة، تأثرت بالصدمات الناتجة من الشعور الدائم بالخوف والقلق والتوتر نتيجة اقتحام المنازل وترويع السكان في مدينة النهود والاعتداء على كبار السن، إضافة إلى التهديد بالاغتصاب، فهذه الأحداث التي عاشتها تسببت بإصابتها بالاكتئاب واليأس والأرق"، وأشار إبراهيم إلى أن "حالها تغيرت إلى الأسوأ في الفترة الأخيرة بخاصة بعد وصول بقية أفراد الأسرة إلى مدينة الأبيض والإقامة في مركز الإيواء وسرد تفاصيل الانتهاكات المروعة، إذ باتت تتعرض لنوبات هلع وانهيار مفاجئ".

على صعيد متصل، رأت الاختصاصية النفسية صباح محمد خضر أن "نسبة كبيرة من النازحين السودانيين تعاني إحباطاً وانعزالاً وأرقاً، بسبب الصدمات الناتجة من تأثير الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم المفزعة التي تعرض لها المدنيون، مما يمثل جزءاً من المشكلات النفسية والعصبية والاجتماعية التي قد تصبح لصيقة بحياتهم في المستقبل"، وبيّنت خضر أن "الاضطرابات النفسية تهدد حياة المئات ومستقبل كثيرين من الأطفال في ظل الاستجابة المحدودة للمنظمات الدولية لهذا التهديد، باعتبار أنها تركز أنشطتها على معالجة الآثار الرئيسة للنزاع وتتجاهل المصابين بصدمات نفسية وحالات مشابهة، وعلى رغم هرب الآلاف من مناطق القتال فإن بعضهم يحتاج إلى الدعم النفسي"، ونبّهت إلى أن "أبرز الحالات تعاني أمراضاً عصبية مثل الاكتئاب الحاد والهلع وقلق ما بعد الصدمة والهستيريا والنشاط الزائد وكوابيس النوم والتأتأة لدى الأطفال"، وحذّرت الاختصاصية النفسية من إهمال هذه الفئات وعدم استحداث أقسام وعيادات لتقديم استشارات ودعم نفسي، "لأن تداعيات آثار الحرب في الصحة النفسية ستلقي بظلالها، أعواماً، على الملايين، مما يستوجب اتباع نهج شامل وطويل الأمد لتوفير خدمات معالجة المشكلات النفسية التي تلوح في الأفق".

في سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة السودانية، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الأمراض النفسية، مؤكدة أن تداعيات الحرب والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون ضاعفت الحاجة إلى تدخلات عاجلة، وكشفت الوزارة عن خطة لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز علاج الإدمان، بهدف تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للحاجات المتزايدة في هذا المجال.

وقال وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم إن "الوضع الراهن للصحة النفسية يتطلب تدخلات عاجلة وموازنة كافية ورؤية شاملة، خصوصاً مع تزايد الحالات النفسية نتيجة الحرب والظروف الراهنة"، ولفت إلى أن "حاجات الصحة النفسية أصبحت أكثر وضوحاً بين من تعرضوا لصدمات بسبب الهجمات على المدنيين"، وشدد إبراهيم على أهمية دمج دعم الصحة النفسية في خدمات الرعاية الصحية الأساسية، مع الإشارة إلى نقص الكوادر إذ يوجد حالياً 22 طبيباً نفسياً فقط في السودان.

وأوضح مدير مستشفى الصحة النفسية في مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة الأمين دياب أن "المستشفى يستقبل ما بين 15 و20 حالة أسبوعياً، تشمل الاكتئاب والذهان ونوبات الهوس واكتئاب ما بعد الولادة، مع توقعات بارتفاع عدد الحالات خلال الفترة المقبلة"، ولفت إلى أن "المستشفى يوفر العلاج والأدوية مجاناً بدعم من منظمات إنسانية وهيئات رسمية، بهدف تخفيف العبء عن الأسر المتضررة"، وتابع دياب "تم افتتاح عنبر جديد للطب النفسي لتعزيز خدمات الرعاية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها ولاية الجزيرة".

إلى ذلك كشف مسح للمجلس الاستشاري للطب النفسي التابع لوزارة الصحة السودانية، وشمل ست ولايات هي الخرطوم ونهر النيل والجزيرة والقضارف وكسلا وبورتسودان، عن تدهور كبير في مراكز العلاج النفسي المتوقفة منذ اندلاع الحرب، وأن مركزاً حكومياً وحيداً يعمل في مدينة بورتسودان.

وفي الأعوام التي سبقت اندلاع الحرب عانت خدمات الصحة النفسية في الأصل نقصاً حاداً بالمرافق التي تقدم الخدمات في السودان، وعقب اندلاع المعارك بين الجيش وقوات "الدعم السريع" تعرض مستشفى "التجاني الماحي" للأمراض النفسية والعصبية في مدينة أم درمان، والمعروف شعبياً لدى السودانيين بمستشفى "المجانين"، إلى الإخلاء بالقوة من جميع المرضى الذين كانوا يعالجون فيه.

وتعرض الصرح العملاق الذي يقصده المرضى من مختلف أنحاء البلاد ويدرب الأطباء وطلاب الطب والتمريض وعلم النفس لدمار كبير جراء القصف ليخرج من الخدمة تماماً.

*المصدر: اندبندنت عربية | independentarabia.com
اخبار السودان على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com