جرائم حرب في النهود.. استهداف النساء ونهب الموارد تحت مجهر القانون الدولي
klyoum.com
أخر اخبار السودان:
محمد عثمان.. طبيب جراح بصوت الحقيبة يعبر القارات من أمريكا للقاهرةتقرير – عثمان عبدالهادي
استهلال كاشف يوثق مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام في مذكرته العاجلة الموجهة للمنظمات الدولية كيف أصبحت مدينة النهود بغرب كردفان، القلب النابض لإنتاج صمغ "الهشاب" عالمياً، مسرحاً لانهيار أمني واقتصادي شامل؛ حيث تسببت سيطرة مليشيا الدعم السريع في مايو 2025 في تحويل المنطقة من واحة استقرار وتجارة دولية إلى ساحة مفتوحة للتنكيل والنهب الممنهج، واستهداف النساء المباشر بدم بارد.
رئة محتضرة:
أكد مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام أن النهود تمثل الرئة الاقتصادية الثانية للسودان، لكن هذا الدور الاستراتيجي تقوض تماماً عقب سقوطها عسكرياً، حيث توقفت عجلة التنمية وتجمدت حركة الأسواق، مما أدى لانهيار المنظومة الإدارية والمالية التي كانت تؤمن معيشة آلاف الأسر السودانية، وهو ما تضمنته المذكرة العاجلة للمركز للمطالبة بحماية هذا القطاع.
تحول كارثي:
عقب سيطرة المليشيا، أوضح المركز أن المنطقة شهدت معارك ضارية أودت بحياة أكثر من 800 مدني، لتتحول المدينة وأريافها لمسرح للنهب المسلح المفتوح، حيث انعدمت الخدمات الأساسية وتدهور الوضع الإنساني بشكل مريع، مما دفع السكان للنزوح القسري بعد أن فقدوا الأمن في ديارهم التي كانت رمزاً للإنتاج العالمي الرفيع والعطاء المستمر عبر السنين.
استهداف النساء:
تشير مذكرة مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام إلى أن النساء الريفيات في "جناين الهشاب" يواجهن عنفاً مركباً واستهدافاً مباشراً من عناصر المليشيا، حيث يتعرضن لمخاطر الاعتداء الشخصي والجسدي، مما جعل ممارسة العمل في الحقول مغامرة محفوفة بالموت، ويهدف هذا الترهيب الممنهج لكسر إرادة المرأة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي والمنزلي بكردفان.
حصار الإنتاج:
بين المركز في مذكرته أن الوصول لمناطق الإنتاج لعمليات "الطق" والجمع بات معضلة حقيقية أمام المنتجات، إذ تفرض المليشيا نقاط تفتيش وابتزاز مالي على مداخل المزارع، مما أجبر الكثيرات على ترك المحاصيل دون حصاد خوفاً على حياتهن، وهو ما أدى لضياع مجهود عام كامل من العمل الشاق، وتسبب في فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة بالمنطقة المنهكة.
سياسة الحرق:
رصد مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام عمليات حرق متعمد للمحاصيل المخزنة من الفول والكركدي والصمغ العربي في قرى مثل "أبو ماريقة"، في خطوة تهدف لتدمير سبل عيش مئات الأسر وتجويعهم بشكل مباشر، وتعتبر هذه الممارسات سلاحاً قذراً لإخضاع المجتمع المحلي وتجريده من ممتلكاته ومدخراته التي جناها بكد السنين الطوال والجهد البدني والمالي المضني والشاق.
نهب المخازن:
وثق المركز نهب أكثر من 1000 طن من الصمغ العربي من مخازن كبار التجار المحليين تحت تهديد السلاح، حيث تم نقل هذه الكميات الضخمة عبر شاحنات تابعة للمليشيا لجهات غير معلومة، مما أدى لإفلاس الموردين الوطنيين وتوقف الدورة المالية التي كانت ترفد الخزينة العامة بالعملات الصعبة وتنعش الأسواق التجارية بكامل ولايات غرب السودان الممتدة والواسعة.
سماسرة الحرب:
ذكر مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام أن غياب القوى الشرائية الوطنية تسبب في ظهور "سماسرة الحرب" المرتبطين بالمليشيا، الذين يفرضون أسعاراً بخسة على المنتجين المنهكين تحت ضغط السلاح والحاجة، مما خلق نظاماً اقتصادياً مشوهاً يعتمد على الاستغلال والنهب بدلاً من المنافسة العادلة، مما أدى لضياع حقوق المزارعين والمنتجين الصغار والنساء بمدينة النهود وأريافها المحيطة بها.
انهيار الأرقام:
وأوضحت مذكرة المركز أن هذه الممارسات العسكرية أدت لكارثة رقمية، حيث انخفضت الكميات المصدرة من الصمغ العربي بنسبة تراجع بلغت 60%، لتهبط من 150 ألف طن سنوياً إلى 48 ألف طن فقط، وهو مؤشر خطير رصده المركز ينذر بقرب انهيار هذا القطاع الحيوي الذي يمثل أهم صادرات السودان غير البترولية التي يعتمد عليها العالم في صناعاته الكبرى.
تبخر القيمة:
وأكد مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام تدهور سعر طن الصمغ بشكل حاد، حيث تراجع من 2,755 دولاراً في عام 2022 إلى نحو 1,000 دولار فقط نتيجة سيطرة المهربين، مما حرم الدولة والمنتجين من عائدات ضخمة، وبات الربح يذهب لجيوب أمراء الحرب الذين يديرون شبكات تهريب منظمة عبر الحدود، مستنزفين موارد البلاد القومية بشكل علني سافر ومستفز.
نزيف العمالة:
وأشار المركز إلى أن حالة الرعب تسببت في هجرة العمالة الشابة من مناطق الإنتاج نحو مناطق التعدين أو اللجوء، مما ألقى بكامل عبء العمل الشاق على كاهل النساء والأطفال وكبار السن، وهو ما أدى لانخفاض جودة المنتج وتقليص المساحات المحصودة، ووضع ضغوطاً جسدية ونفسية هائلة على المرأة العاملة في الريف السوداني المنهك والمتضرر جراء استمرار الحرب.
تصحّر متعمد:
مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام حذر من ظاهرة القطع الجائر لأشجار الهشاب لاستخدامها كوقود وفحم نتيجة انعدام البدائل الطاقية، مما يهدد الحزام البيئي للصمغ العربي بخطر الزوال، وهو ما يمثل كارثة بيئية طويلة الأمد ستؤدي لزحف الصحراء وتدمير التوازن الطبيعي في ولاية غرب كردفان والمناطق المجاورة لها، مما يفاقم من حدة موجات النزوح واللجوء السكاني.
خرق المواثيق:
وشددت مذكرة المركز على أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً صارخاً للقرار الأممي 1325 وبروتوكول مابوتو بشأن حقوق المرأة، حيث تم استخدام العنف الاقتصادي كأداة حرب ضد المدنيين العزل، وتتحمل المليشيا المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الجرائم التي تستهدف تدمير النسيج الاجتماعي وإفقار النساء اللواتي يمثلن الفئة الأكثر هشاشة وتضرراً بنيران النزاعات المسلحة والحروب الأهلية.
جريمة اقتصادية:
ويصف مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام حرمان النساء من ثمار عملهن ونهب مواردهن بـ "الجريمة الاقتصادية" التي تستوجب الملاحقة الجنائية الدولية، فهي لا تستهدف الربح فحسب، بل تهدف لكسر المقومات المادية للحياة في السودان، وتستخدم التجويع المتعمد وسيلة للضغط السياسي والعسكري، مما يضع هذه الأفعال ضمن إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الموثقة دولياً وحقوقياً.
تمويل الصراع:
يوضح المركز أن عائدات الموارد الطبيعية المنهوبة تُستخدم كتمويل غير مشروع لاستمرار العمليات العسكرية للمليشيا وشراء الأسلحة، مما يطيل أمد الحرب ويزيد من كلفة المعاناة الإنسانية، ويجعل من الضروري، كما جاء في مذكرة المركز، فرض رقابة دولية صارمة على سلاسل توريد الصمغ لضمان عدم وصول أمواله ليد المليشيات المسلحة التي تدمر استقرار الدولة السودانية والمنطقة.
استغاثة حقوقية:
وطالب مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام بضرورة إدراج ملف نهب الموارد الطبيعية واستهداف المنتجات ضمن تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، كما دعا المنظمات الأممية لتقديم دعم مالي وتقني عاجل للنساء اللواتي فقدن مصادر رزقهن، لضمان صمودهن في وجه آلة الدمار التي تسعى لاقتلاع جذور الحياة والإنتاج من أرض النهود التي عرفت تاريخياً بكرمها وجودها وعطائها المستمر.
نداء الإنقاذ
ختمت مذكرة مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام نداءها العاجل الموجه للمنظمات الحقوقية والأممية بالتأكيد على أن حماية نساء النهود وحزام الصمغ العربي يتطلب موقفاً دولياً حازماً يتجاوز الإدانة الشفهية، فالحرب الاقتصادية التي تشنها المليشيا تهدد الوجود البشري والبيئي بكردفان. لذا يجب تصنيف هذه الانتهاكات كجرائم حرب وملاحقة المتورطين، مع توفير حماية عاجلة وحقيقية للمنتجات لضمان استمرار هذا القطاع الاستراتيجي الذي يمثل إرثاً عالمياً لا يمكن تعويضه