اخبار السودان

اندبندنت عربية

سياسة

ماذا سيفعل "إخوان السودان" بوصمة الإرهاب الأميركية؟

ماذا سيفعل "إخوان السودان" بوصمة الإرهاب الأميركية؟

klyoum.com

محللون: العودة إلى الحكم باتت أكثر صعوبة ولم يعد سوى رفع لواء المظلومية والتمويه التنظيمي والتمسك بالنفوذ داخل مؤسسات الدولة

أثار قرار الولايات المتحدة بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان (تنظيم الإخوان) منظمة إرهابية جدلاً وتفاعلاً كبيرين داخل المجتمع السوداني، لناحية أن هذه الحركة تعد واحدة من أهم الكيانات السياسية الرئيسة في البلاد التي تطمح إلى الحكم من جديد بعد عزلها من السلطة بواسطة ثورة شعبية في أبريل (نيسان) 2019.

فما أثر وانعكاسات هذا التصنيف على مستقبل الحركة الإسلامية السياسي، وعلى المشهد السوداني بصورة عامة؟ وكيف تتعاطى وتتعامل هذه الحركة مع التصنيف الأميركي؟

يرى المحلل السياسي أحمد موسى عمر أن "الحركة الإسلامية تيار كبير متغلغل داخل المجتمع السوداني، ولديه وجود معتبر في أجهزة الدولة وفي الدورة الاقتصادية السودانية، لذا فإن حظر نشاطها بقرار داخلي أو تصنيفها كمنظمة إرهابية يطرح تساؤلات عدة، أهمها أن الإدارة الأميركية تسعى من خلال ذلك إلى التضييق عليها والحد من حركتها بما يعتبر تدخلاً سافراً في الشأن السياسي السوداني".

وبين عمر أن الشعب السوداني هو من يملك حق قبول أو رفض الحركة الإسلامية كتيار سياسي مثل غيره من التيارات والكيانات الأخرى، فضلاً عن حقه في تصنيفه أو حظره دون غيره.

ولفت إلى أن "توقيت صدور هذا التصنيف يثير شكوكاً حول أسبابه وأثره في البلاد، بخاصة لناحية انتصارات الجيش السوداني التي أدت فيها مجموعات من الحركة الإسلامية دوراً حاسماً ومهماً، وكأنه يريد إضعاف ووقف هذه الانتصارات العسكرية، إضافة إلى أن هذه المجموعات الإسلامية ترفض أية تسوية تعيد قوات (الدعم السريع) للمشهد السوداني من جديد، مما يمنح جهات نافذة وحاكمة فرصة أكبر في التعامل مع مقترح التسوية الذي تقوده واشنطن"، وأردف "كذلك فإن هذا التصنيف من زاوية أخرى يضع أجهزة الدولة السودانية موضع رفض أو قبول له بما ينعكس على العلاقات بين الحركة الإسلامية كتيار عريض سلباً وإيجاباً، وربما يقود إلى مواجهات فوضوية وعنيفة تحدث تغييراً كبيراً في جانب أمن واستقرار البلاد، وهو جزء من خطة الغرب".

وقال عمر "الأفضل أن تترك الولايات المتحدة القرار للشعب السوداني لتحديد موقفه من الحركة الإسلامية، وهو القادر على تحجيم حركتها وأنشطتها إن أراد ذلك".

من جهته، قال القيادي في حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق إن "الحركة الإسلامية في السودان تعد من أكثر البنى السياسية والتنظيمية الأيديولوجية رسوخاً في المجال العام، بحكم خبرتها الطويلة في العمل السري وشبه العلني، إلى جانب تغلغلها التاريخي في أجهزة الدولة والاقتصاد والعمل الدعوي والاجتماعي، فتصنيفها من جانب الإدارة الأميركية كياناً إرهابياً يمثل نقطة تحول شديدة الأثر في مستقبلها السياسي، لأن القرار لم يقتصر على توصيف معنوي أو إدانة خطابية، وإنما وضعها على قوائم المنظمات العالمية الإرهابية، وربط بها أيضاً كتيبة (البراء بن مالك) التي تقاتل إلى جانب الجيش باعتبارها كياناً مرتبطاً بها".

ويعتقد أن "التصنيف الأميركي ضرب الشرعية الدولية للحركة الإسلامية في صميمها، فأي تنظيم يطمح إلى العودة للحكم يحتاج إلى حد أدنى من القبول الخارجي، أو في الأقل نافذة تسمح له بالحركة السياسية والمالية والدبلوماسية، لكن بعد هذا التصنيف أصبحت هذه الحركة في موقع يجعل أي انفتاح رسمي لها مكلفاً للدول والجهات المتعاملة معها"، وتابع "هناك أثر يتعلق بقدرة هذه الحركة على العودة العلنية إلى المشهد السياسي، بخاصة أنها راكمت خبرة طويلة في تبديل الأسماء والواجهات، وقد خبر السودانيون انتقالها بين تسميات تنظيمية وحزبية مختلفة عبر العقود، غير أن التصنيف الأميركي يرفع كلفة هذا الأسلوب، لأن المتابعة هنا ستتجه إلى الشبكة بكامل طبقاتها: التنظيم، والأذرع المسلحة، والحسابات، والشركات، والمنظمات ذات الواجهة الخيرية، والأسماء التجارية التي تستخدم لتمويل النشاط الحركي. وبهذا المعنى فإن العودة إلى الحكم عبر واجهة حزبية تقليدية تصبح أكثر صعوبة، وتتحول الأولوية لدى هذه الحركة من استعادة السلطة بصورتها الكلاسيكية إلى حفظ النفوذ داخل الدولة ومنع الإقصاء الكامل".

 

وتوقع الصادق أن يدفع القرار الأميركي الأزمة السودانية إلى مرحلة فرز أوضح بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع التنظيم العابر للمؤسسات، فالحركة الإسلامية كانت تراهن خلال الحرب على إعادة تقديم نفسها باعتبارها جزءاً من المعسكر الوطني أو القوة الاجتماعية المساندة للجيش، أما بعد التصنيف فإن هذا التقديم يواجه ضربة استراتيجية، لأن أي حضور مسلح أو سياسي أو مالي محسوب عليها سيقرأ دولياً باعتباره امتداداً لكيان إرهابي، لا مجرد تيار سياسي محافظ أو خصم أيديولوجي تقليدي، وهذا كفيل بإعادة تشكيل طريقة تعامل المانحين والوسطاء وحتى بعض القوى الإقليمية مع السلطة القائمة في بورتسودان.

ويرى أن التصنيف يضع المؤسسة العسكرية والسلطة المرتبطة بها أمام اختبار بالغ الصعوبة، فإذا واصلت استبقاء العناصر والكيانات المحسوبة على الحركة الإسلامية داخل منظومة الحكم أو داخل البنية القتالية الحليفة، فإنها ستتحمل جزءاً من كلفة هذا الارتباط على المستوى الدبلوماسي والمالي، أما إذا اتجهت إلى فك هذا الارتباط بصورة جدية، فإنها ستفقد مورداً تنظيمياً وبشرياً ظل حاضراً في التعبئة والحشد والإسناد، لذلك يمكن القول إن القرار الأميركي لا يعزل الحركة وحدها، وإنما يضغط أيضاً على كل جهة سودانية جعلت من التعاون معها جزءاً من معادلة الحرب والبقاء.

ونوه الصادق بأن قرار واشنطن يحمل أثراً بالغاً على مسار الانتقال السياسي، فالقوى المدنية السودانية التي كانت ترى أن الحركة الإسلامية تسعى إلى العودة عبر الحرب ستعتبر هذا التصنيف سنداً دولياً لموقفها، وفي المقابل ستتعامل شبكات الحركة معه بوصفه دليلاً إضافياً على أن التسوية المقبلة قد تنتهي إلى تحجيمها جذرياً. من هنا قد يتولد اتجاهان متوازيان: واحد مدني يسعى إلى استثمار القرار في العزل السياسي والقانوني، وآخر إسلامي يميل إلى مزيد من التشبث بأدوات الدولة العميقة وأدوات السلاح والمال والإدارة غير المرئية.

وأضاف "في تقديري أن الحركة لن تتعامل مع التصنيف برد فعل واحد، وإنما عبر ثلاث طبقات من السلوك: الأولى هي الإنكار العلني والمظلومية السياسية عبر خطاب يقول إن التصنيف يستهدف تياراً إسلامياً أو كتلة اجتماعية واسعة، في محاولة لتحويل المسألة من قضية أمن دولي وتمويل وعسكرة إلى قضية استهداف فكري وسياسي، وهذا النمط مألوف في أدبيات التنظيمات التي تواجه عزلاً دولياً، لأنه يتيح لها إعادة تعبئة الأنصار تحت عنوان المظلومية"، واستطرد "الطبقة الثانية هي التمويه التنظيمي، إذ من المرجح أن تتجه الحركة إلى توسيع استخدام واجهات أقل ظهوراً، وشخصيات من الصفين الثاني والثالث، وكيانات خيرية، وجمعيات مجتمعية، وشركات خاصة، وواجهات اقتصادية لا تحمل الاسم الحركي المباشر. هذا المسار ينسجم مع تاريخ الحركة في السودان، إذ ظلت قادرة على تبديل الأسماء مع الإبقاء على العمود الفقري التنظيمي والمالي، لكن الفارق الآن أن واشنطن رفعت مستوى التتبع من الكيان إلى الشبكة، وهو ما يجعل التمويه ممكناً من الناحية العملية ولكن مع ارتفاع كبير في مستوى المخاطرة".

ومضى الصادق بالقول "الطبقة الثالثة هي التمسك بالنفوذ داخل مؤسسات الدولة بدل البحث عن الواجهة الحزبية المباشرة، أي إن الحركة قد تقتنع مرحلياً بأن الظهور في الواجهة صار مكلفاً، فتختار العمل من داخل البيروقراطية والاقتصاد والأجهزة والتحالفات العسكرية والاجتماعية، ريثما تتبدل البيئة الإقليمية والدولية. هذا السيناريو مرجح في الحال السودانية لأن هذه الحركة أصلاً تمتلك خبرة طويلة في بناء شبكات غير مرئية وغير معلومة للرأي العام، وتمتلك قدرة على العمل عبر وسطاء وأسماء أعمال ومنظمات ذات أغراض ظاهرها اجتماعي أو خيري ووظيفتها الحقيقية تمويل النشاط وحفظ البنية التنظيمية".

وواصل أن "المشروع السياسي للحركة الإسلامية يتعرض لضربة استراتيجية قاسية مع بقاء القدرة على المناورة والتكيف، فهذه الحركة ليست حزباً انتخابياً عادياً حتى ينتهي بمجرد حظر أو قرار خارجي، فهي بنية ممتدة داخل الاقتصاد والإدارة والمجتمع وشبكات الولاء، غير أن التصنيف يسحب منها فرصة العودة الطبيعية إلى الحكم عبر الشرعية الدولية أو التسوية السهلة، ويدفعها إلى مربع دفاعي يقوم على حفظ ما تبقى من مواقعها وتفادي الملاحقة وإعادة ترتيب الصفوف بعيداً من الضوء، وهذا في حد ذاته تراجع كبير لأن الفرق واسع بين تنظيم يطمح إلى استعادة الدولة، وتنظيم ينشغل بمنع التفكيك الكامل".

وختم القيادي في حزب الأمة القومي بالقول "أتوقع أن تتعاطى الحركة الإسلامية مع القرار الأميركي من خلال التوزع بين الإنكار والتمويه وإعادة الانتشار عبر شبكات أقل ظهوراً، والنتيجة الأرجح أن السودان سيدخل مرحلة صراع أشد وضوحاً بين مشروع دولة تسعى إلى استعادة مؤسساتها، ومشروع تنظيم يحاول النجاة عبر الظل بعدما ضاقت عليه مساحة الظهور".

في المنحى ذاته، أوضح نائب الأمين العام في حزب المؤتمر الشعبي السوداني محمد بدر الدين حامد، أنه "كان من المتوقع صدور هذا القرار بعد المراوغة والتعنت والاستهانة بالقرارات الصادرة من المؤسسات الدولية، وهو ما كانت تمارسه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان تجاه التعاون مع المجتمع الدولي لحل الأزمة السودانية ووقف الحرب التي تفاقمت تداعياتها وآثارها السلبية"، وأردف "في نظري أن الحرب السودانية باتت تشكل تهديداً للأمن والسلم الإقليمي والدولي، ولم يعد خافياً من يدير السلطة في السودان، فالممارسات غير الراشدة أعطت المبرر لصدور قرار الخارجية الأميركية".

ولفت إلى أنه منذ تسلم النظام في السودان السلطة قبل أكثر من ثلاثة عقود وهو تحت دائرة التربص من قبل القوى المناوئة لتوجهه الإسلامي، فضلاً عن أنه طوال فترة حكمه المديدة لم يحسن القيام بالإصلاحات اللازمة وتطوير مرتكزاته الفكرية وتوجهاته السياسية بما يتيح له التوافق مع الأحزاب والقوى المدنية الداخلية وكسب الرضا والقبول الخارجي.

وتوقع حامد أن "يترتب على القرار الأميركي تداعيات سياسية وقانونية دولية، لكن كان من الأعدل أن يكون التصنيف على الجهة التي تدير النظام مباشرة (المؤتمر الوطني) وليس كل الحركة الإسلامية، لأن الأخيرة كيان واسع ليست كل واجهاته مشاركة في الممارسات والخراب الذي أحدثه المؤتمر الوطني، كذلك من العدل أن الممارسات والجرائم المرتكبة يجب أن يحاسب عليها مرتكبوها وليس كل الكيان الواسع، وبالضرورة ينبغي ألا يتضرر الشعب السوداني من هذه العقوبات".

وزاد "هذا التعميم يقود إلى أسئلة مشروعة: هل المقصود بهذا التصنيف الممارسات والحد منها، أم المقصود هو التوجه والمنهج الإسلامي واستئصاله؟ في نظري أن هذا التعميم سيؤدي إلى إيجاد حال من الاستقطاب بين الشعب السوداني وأيضاً القوى السياسية السودانية مع وضد، وهذا ما يشي بحدوث مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار في البلاد، ومثال ذلك ما حدث في إيران وأفغانستان خلال أكثر من أربعة عقود وحتى الآن".

ونوه نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي بأن مثل هذا القرارات تحكمها المصالح الآنية، التي قد تتبدل وتتغير وفقاً لتبدل وتغير المصالح وما يستجد في المناخ الدولي العام، وليس ببعيد ما حدث مع سوريا الشرع، وأفغانستان طالبان، وتركيا أردوغان، وماليزيا أنور إبراهيم.

*المصدر: اندبندنت عربية | independentarabia.com
اخبار السودان على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com