اخبار السودان

أثير نيوز

سياسة

*محجوب أبوالقاسم* *يكتب* *الإضراب يهدد ما تبقى*

*محجوب أبوالقاسم* *يكتب* *الإضراب يهدد ما تبقى*

klyoum.com

في السادس عشر من نوفمبر من العام الماضي كتبت مقالا تناولت فيه الدعوة لإضراب أساتذة الجامعات ووقتها لم أتردد في توجيه النقد لتلك الخطوة ليس انتقاصا من حقوقهم وإنما إدراكا لحجم اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان،كانت البلاد ولا تزال تخوض معركة وجودية في وجه حرب أرادت أن تعطل كل مفاصل الحياة بما فيها التعليم بوصفه أحد أهم أعمدة صمود الدولة.

اليوم وبعد أشهر من ذلك المقال تتجدد الدعوات للإضراب وكأننا أمام ذات السؤال هل يحتمل السودان في هذا التوقيت الحرج ان تتوقف مؤسساته التعليمية؟لا أحد ينكر أن الأستاذ الجامعي في السودان يواجه واقعا معيشيا بالغ القسوة، راتب لا يتجاوز في متوسطه 140 دولارا في ظل تضخم متصاعد بالكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة هذه حقيقة موجعة لا ينبغي الالتفاف حولها أو التقليل من شأنها.

فالأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف بل هو حامل رسالة وصانع أجيال وركيزة أساسية في بناء الدولة واستقرارها،ومن هذا المنطلق فإن المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية ومراجعة الرواتب وتنفيذ ما بشرت به موازنة 2026 ليست مطالب ترفية بل حقوق مشروعة وضرورية بل أكثر من ذلك فإن تجاهل هذه المطالب يفتح الباب واسعا أمام هجرة العقول وهو نزيف لا يحتمله السودان في هذه المرحلة الدقيقة التي يحتاج فيها لكل خبرة وكل عقل.

لكن وفي المقابل لا يمكن عزل هذه المطالب عن السياق العام الذي تعيشه البلاد فمؤسسات التعليم العالي رغم الحرب قدمت نموذجا استثنائيا في الصمود أساتذة وإداريون وعمال وقفوا في وجه الانهيار وأصروا على استمرار العملية التعليمية في وقت كان كثيرون يتوقعون فيه توقفها الكامل ذلك الصمود لم يكن مجرد أداء وظيفي بل كان موقفا وطنيا بامتياز أسهم في الحفاظ على ما تبقى من استقرار المجتمع.

إن الإضراب في جوهره وسيلة ضغط مشروعة لكنه في مثل هذه الظروف قد يتحول إلى عامل إرباك إضافي يعمق من فجوة التعافي الهشة التي بدأت ملامحها تظهر في مؤسسات التعليم فبعد أن عادت الحياة تدريجيا إلى الجامعات واستأنف الطلاب مسيرتهم الدراسية فإن أي توقف مفاجئ قد يعيد الأمور إلى مربع التعطيل وهو ما يتقاطع من حيث لا ندري مع أهداف الحرب التي سعت إلى شل الدولة ومؤسساتها.

هنا تبرز الحاجة إلى الاعتراف بحقوق الأساتذة دون أن تغفل واجبات المرحلة فالمسؤولية لا تقع على طرف واحد فالدولة ممثلة في وزارة التعليم العالي ووزارة المالية ورئاسة الوزراء مطالبة بالتعامل الجاد والفوري مع هذه القضية وعدم تركها تتفاقم حتى تصل إلى مرحلة الانفجار فالتأخير في معالجة الأوضاع المعيشية للعاملين في قطاع التعليم هو في حد ذاته مساهمة في تعقيد المشهد.

وفي الوقت ذاته يبقى الرهان على وعي الأساتذة الذين أثبتوا خلال الفترة الماضية أنهم على قدر عالي من المسؤولية الوطنية فكما صبروا في أصعب الظروف فإن المرحلة الحالية تتطلب قدرا إضافيا من الصبر حتى تكتمل المعالجات المطلوبة وتترجم الوعود إلى واقع ملموس.

إن الطلاب وهم الضلع الأضعف في هذه المعادلة يترقبون عودة أساتذتهم إلى القاعات الدراسية بعزيمة لا تقل عن رغبتهم في إكمال مسيرتهم التعليمية هؤلاء الشباب الذين عاشوا مصائب الحرب يرون في التعليم نافذتهم الوحيدة نحو المستقبل وأي تعثر جديد قد يبدد ما تبقى من آمالهم.

إن مابين حق الأساتذة وواجب الوطن تقف البلاد على مفترق طرق دقيق والاختيار في نهاية المطاف ليس بين حق وباطل بل بين توقيت مناسب واخر قد تكون كلفته أعلى مما نحتمل ، فهل تنتصر الحكمة على ضغط الواقع؟وهل تستجيب الجهات المعنية قبل أن تتسع دائرة الأزمة؟

ولنا عودة

*المصدر: أثير نيوز | atheernews.net
اخبار السودان على مدار الساعة